الإجازة ليست السفر، ليس كل الناس يرغبون أن يقضوا إجازاتهم مسافرين، وليس كل الناس قادرين على ذلك. بإمكان المرء أن يقضي إجازته في بلده قريباً من عائلته. أي إنها إجازة من أجل الإجازة، بكسر رتابة أيام وساعات العمل، فلا يعود مرتبطاً بموعد للنوم، يفترض أن يكون مبكراً، وموعد للصحو في الصباح، لا بد أن يكون مبكراً أيضاً، فالأعمال، كقاعدة، تبدأ في الصباح الباكر. الإجازة تمنح الواحد، أو الواحدة، منا، حرية أن يطيل السهر في الليل، مطمئناً إلى أنه غير ملزم بالصحو باكراً في صبيحة الغد التالي، ويمنحه الشعور بأنه سيد وقته بهجة وسعادة لا تعوضان  .

وإذا كانت الإجازة ليست هي نفسها السفر، فإن السفر يقترن بالإجازة. طالما نحن على وظائفنا فإن السفر غير متاح في كل الأوقات التي نشتهيها، لأنه لا بد لنا من إجازة عن العمل، ونيل هذه الإجازة غير متاح في كل وقت، فالأمر خاضع لظروف العمل ولتقديرات مديرينا فيه  .

السفر يُلون الإجازة، ففيه انفلات من روتين الحياة اليومية ورتابة المكان الواحد الذي مهما كان عزيزاً وغالياً وحميماً، فإن دوام المكوث فيه دون انقطاعات حتى لو كانت قصيرة باعث على صورٍ من الضجر، فتنتابنا الرغبة في التغيير، ونحن في قرارة أنفسنا مطمئنون إلى أنه تغيير قصير ومؤقت وأننا عائدون قريبا إلى مستقرنا الذي نحب  .

لم يترك الكُتاب شيئاً لم يقحموا أنفسهم فيه، ومن ذلك موضوع الإجازة نفسه، وفي هذا أذكر ما أفرده الدكتور جلال أمين في كتابه القيّم: «ماذا حدث للمصريين؟» الذي عرض فيه للتبدلات الاجتماعية والثقافية في المجتمع المصري على مدار عقود، من حيز لدراسة علاقة المصريين مع الإجازة، وخاصة مع ما دعاه التصييف، حيث إن الإجازة مرتبطة بالصيف أكثر من سواه من الفصول  .

على المنوال نفسه كتب عالم اجتماع فرنسي اسمه بيير بيي مقالاً شائقا عن موضوع الإجازة التي اعتبرها «نوعاً من المكافأة» التي نستحقها بالفعل، للقطع مع العادي واليومي، مخصصاً للسفر بالذات وقفة، فيها يحث على ما وصفه ب «قواعد السير الحسن» في الإجازة، داعياً إلى وجوب التوقف عن الحديث في شؤون وظروف الحياة التي أخذنا هذه الإجازة للقطع معها ولو مؤقتاً، بل إنه يعد النسيان، أي نسيان ما خلفناه وراءنا ونحن نسافر، «شرطاً أساسياً لتحقيق السعادة في الإجازة  ».

في كل الأحوال يظل السفر حدثاً كاسراً للعادة، وفسحة للاستمتاع بالحياة، ومن هنا يصبح «مسكوناً بالذاكرة» وفق تعبير عالم الاجتماع الفرنسي المشار إليه، ويتبدى ذلك في حرصنا على تسجيل وقائع السفر بالصور والأفلام، وكذلك المذكرات التي منها، على ما يبدو، نشأ أدب الرحلات، وبما نقتنيه من تذكارات للأماكن التي قصدناها لنُخلدَ لحظة السفر  .