من أصعب ما يمر على الروائي، هو دعوته للجلوس أمام الناس لإلقاء شهادته، لأنه في الحقيقة لا يقرأ هذه الشهادة، بقدر ما يسكب نفسه أمامهم، كاشفاً كشفاً أدبياً شفيفاً عن سيرته تلك التي أودت به روائياً، لتبدو تلك الجلسة شبيهة بمغامرة حزينة على مسرح مضياف وجميل، يدعى ملتقى السرد، فيستبين الناس من خلال هذا الاعتراف، مبلغ عمقه أو بساطته، تجاربه الواسعة التي اتكأ عليها أو تسرعه، تراثه القوي وثقافته أو مجرد مغامرة يخوضها... حتى ينكشف عالمه للآخر، خاصة مع استرساله لأحداثه وتعسره وتعب روحه، وشقائه وكل ما مَرَ به ليصبح سارداً.

 

الاعتراف فنٌ راقٍ، لكن، ومهما كان إقراره هذا إبداعياً ومقنعاً، لكنه بالمقابل، عصيب وباهظ، إن سقطت دمعة هذا الكاتب وهو يمضي بذاته، يا لها من دمعة تعيسة حينها، لأنها من قِبل البعض دمعة موثقة بالتعب والضعف.

 

في الملتقيات السردية للرواية، يتم هذا الاعتراف للروائي، وبدعوة وقبول دون ضغط من الطرفين، وآخر ملتقى، كان في مؤسسة سلطان بن علي العويس العريقة، والشاهد أن الاعترافات للرواة، أخذت أشكالاً متنوعة، بين شهادة تبدو عاقلة، وأخرى متحدية أو عاطفية، إلى شهادات أقرب لإفراغ شحنات من ظروف هيمنت، ليصبح القلم قراراً. كانت الشهادات قليلة التمرد، والحارس الداخلي على الكلمات كان واضحاً، وليس كما كان كتابنا الكلاسيكيون، أولئك الذين دعتهم الظروف القاسية للمضي بأقلامهم من أجل انتصار فكرة مظلومة، عاركتها التقاليد طويلاً.

 

يبقى اعتراف الأديب مختلفاً عن أي اعتراف آخر، لأنه يحتاج إلى الكثير من الشجاعة والحرية ليعري دواخله، كما يحتاج طاقة عالية، ليصبح مناضلاً ومجاهداً، يبرز في تلك اللحظات تجربته المتناقضة، وإن كانت متفردة، أمام الناس، فهو لا يجلس ليتحايل على حقيقته وإبراز بلاغته أو حُسن خلقه، ليبدو كمسطرة دقيقة ومثالية، فهذا ليس باعتراف أدبي، لأنه يشبه غيره من الاعترافات النموذجية الكاذبة التي نسمعها على مرأى التاريخ.

 

حياة الأديب مليئة بالتحولات والأسرار الأكثر إيلاماً، وبلا شك، يبقى هذا الأنين سلاحه، وإن لم يُغفر له، خاصة في عالمنا، فمعظم القراء يختلسون المفردات المخالفة له، ولا يفصل حينها بين أعماله الإبداعية وقلمه الآخر، إن كتب فكراً أو رأياً لم يعجبهم، يقيناً أنهم لن يقربوا له أي عمل، كما حدث مع أدباء فتحوا جروحهم برغبتهم، وبكمٍّ من المشاعر الصافية، ليعتبرها العامة متهورة، ويقرروا الانتقام بعدم الاطلاع عليه، ويصبح أدب الاعتراف أشبه بثأر، بعد أن يفتح ذاكرته السرية، وكأنها عدسة خاصة للفرجة، وهو يفكك مقاطع من حياته المجروحة، ويكشف ما كان بها من اقتراف. أتساءل أحياناً، من الذي اخترع فكرة أدب الاعتراف للروائي يا ترى؟، هل كان بهدف التلصص عليه؟، إذن، يا لها من ضريبة.

جريدة البيان