أرسلتُ له رسالة قصيرة بالبريد الإلكتروني، لعله يجد في روايتي «سلطنة هرمز» أمرًا يشجعه على ترجمتها، رد برسالة قصيرة ولطيفة بأنه سعيد بمتابعة جيل جديد له، لكنه الآن في التسعين من عمره، يعيش سنواته الأخيرة في بيته بالفيوم في مصر مع زوجته، يستمتع كامل يومه بالسكون، كما أن نظره الضعيف بات لا يساعده على الترجمة، سوى الكتابة لمقال أسبوعي لصحيفتنا البيان، وختم الرسالة .

إنه المترجم البريطاني دنيس جونسون ديفز، الذي رحل عنا قبل أسبوع وأوصى بدفنه في مصر، بعد ترجمته خلال نصف قرن عيون الأدب العربي إلى اللغة الإنجليزية، ليصبح له الفضل والبدء بتقديمنا للقارئ الغربي. أعماله بحجم مؤسسة إن تمت مقارنتها، فهناك دوائر ومؤسسات ثقافية كبرى نائمة بموظفيها .

وهو فردٌ واحدٌ يترجم أعمال نجيب محفوظ كاملة، ومسرحيات توفيق الحكيم، وقصائد محمود درويش والسياب وغسان كنفاني والبياتي وجبرا إبراهيم جبرا، وقصصاً وروايات ليوسف إدريس والطيب صالح وزكريا تامر وصنع الله إبراهيم ومحمد البساطي وسلوى بكر ويحيى حقي ...

كما قدم كتابًا يعرف للغرب بصلاح الدين الأيوبي وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص... مرورًا بابن بطوطة وجحا الذي أَحَبَّهُ ديفز كثيرًا وكليلة ودمنة وألف ليلة وليلة... كما اتجه لترجمة النصوص الدينية من «رياض الصالحين» والأحاديث القدسية والنبوية .

وترجم أجزاء عديدة من القرآن الكريم، ولم يتوقف دنيس جونسون ديفز عند ذلك، بل كتب أربعين كتاباً للطفل باللغة الإنجليزية، تحمل في دفتيها قصصاً من تراثنا، ومستوحاة من روائع الأدب العربي .

نحن إذن حيال مترجم واحد بحجم مؤسسة كاملة، كرس نفسه لمهنةٍ لم يفكر في اعتزالها اكتفاءً، أو التقاعد عنها كسلاً، بل أخلص لها واستمر فيها بحب، فكل ما كان يتمناه أن يُخرج الكتاب بمستوى جيد، خاصة أنه رفض فكرة الترجمة المشتركة أو لجان التدقيق، لأنه مشهور بأمانته واهتمامه بعمله من الألف إلى الياء، لينال الجوائز، أهمها جائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2007م كشخصية ثقافية عامة تقديرًا لدوره الثري .

وكان من أجمل وأهم ما اقترحه على الجامعة الأميركية بالقاهرة لتعزيز الثقافة الأدبية أن تتصدر جائزة أدبية سنوية تحمل اسم نجيب محفوظ، كان ذلك تقديرًا من ديفز لتلك المقدمة التي وضعها له الأديب نجيب محفوظ لكتابه «مذكرات مترجم»، ونادرًا ما كان نجيب يفعل ذلك .

إسهاماته المتواصلة كمترجم ونقله إلى اللغة الإنجليزية أثْرَتْ أدبنا الحديث لكونه احترم الثقافة العربية وآمن بكنوزها. لقد كان نموذجًا ملهمَا للعلاقة بين الشرق والغرب، فليس كالكتاب يربط الإنسان بالآخر، ويقوم بدور التعريف بين الشعوب بعضها ببعض، ولا يتم ذلك إلا عن طريق الترجمة لتتحقق النهضة، ولنقل في النهاية لولاه لما نطق الأدب العربي اللغة الإنجليزية .

جريدة البيان