المدائح النبوية سواء كانت شعراً أم نثراً، تجعل الشاعر والكاتب يلج واحات خضراء شاسعة من الصفاء والروحانية ويضفي على النفس الهدوء والاستقرار ويزيل منها شوائب الماديات.. وكلما توغل القلم في هذا الميدان، الميدان النبوي الروحاني، كلما دخل في عالم آخر من النقاء ليس فيه التكالب على المغريات الدنيوية، وذلك لوقوفه في حضرة سيد الخلق مأخوذاً بشعاع النور النبوي الشريف.. وفي الإمارات التي هي امتداد للتلاصق الروحاني مع البقاع التي دخلت في عالم الصفاء في مشارق الأرض ومغاربها.. ومن يُمن الطالع أيضاً أنه جرياً على سنة الآباء الأولين الذين آمنوا إيماناً عميقاً بأن لرسول الله فضلاً لا يجاريه فضل وأنه من السنة المؤكدة الاحتفاء بمولده الكريم كلما هلّ شهر ربيع الأول.. وأن هذا الفضل ليس له حد كما يقول الإمام البوصيري رحمه الله، في البردة المباركة ..

دع ما ادّعته النصارى في نبيهم

           واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم

فإن فضل رسول الله ليس له

                   حدٌّ فيعرب عنه ناطق بفم

نحن الآن نمر بالأيام المباركة التي أشرق فيها النور النبوي على العالم، واقشعرّت فيها أبدان الفئات الجائرة المهيمنة على الدنيا في المشرق والمغرب، في بلاد العرب والعجم، الأيام التي شعر فيها الجائرون والمستكبرون بأن الدنيا قد انقلبت وأنها مقبلة على استتباب العدالة وأن الجور والظلم زائلان لا محالة، وأن وعد الحق نافذ مهما بلغت سطوة الجبروت، وأن عهداً جديداً سوف يؤتي أكله صافياً سائغاً.. وأن الله فوق الخلق فيها وحده، وأن الناس تحت لوائها أكفاء.. ومن المعروف أنه لم يمض سوى نصف قرن على الدعوة السامية، إلاّ وكانت الجزيرة العربية هذه التي نعيش عليها قد دخلت في العصر الجديد والدين الجديد، وامتد الإسلام كما يقول نور الدين السالمي المؤرخ العماني في كتابه «تحفة الأعيان في سيرة أهل عمان»، من دبي وإلى ما يليها إلى آخر عمان، ومن شواطئها اقتحمت جيوش الإسلام بحر الخليج لتدك الشواطئ الفارسية من سيراف غرباً إلى صحارى مكران شرقاً وعمقاً في الشمال حتى جبال لاروخنج إلى تخوم شيراز، حيث دخل الناس في دين الله أفواجاً وزرافات ووحداناً .

ولما كان الشعر في رأس مظاهر الأفراح بالمولد النبوي الشريف، فقد مشى الإماراتيون منذ قيام الاتحاد وبإيعاز من المؤسسين من الشيوخ الأفاضل وعلى رأسهم محب المالد الشيخ زايد بن سلطان رحمه الله، جرياً على عادة أبائه الكرام ..

فهاهم خمسة شعراء تغنوا بشعرهم في مدح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى رأس هؤلاء، شاعر من سليل الأماجد المنتمي إلى جدين من عظماء الحكام في تاريخ العرب، وهما، الشيخ الجليل زايد بن خليفة الأول، والشيخ الجليل سعيد بن مكتوم، وهذا السليل هو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بن سعيد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله في قصيدته المسماة، «المسكية في مدح خير البرية».. وقد تناولها كاتب هذه السطور بالقراءة فيها كاملة في جريدة الخليج الصادرة في 12 مايو 2008.. يقول الشيخ محمد في هذه القصيدة التي أبدع في صياغتها، وهي كما سماها تنضح بالمسك و بأريج الطيب ما يتضوع له أي مكان تتلى فيه هذه القصيدة، لأنها من خيار الكلم ومن أطيبه، ولأنها صيغت بألفاظ تعلوها الروحانية في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي مختصرة الكلمات ولكنها عميقة وسهلة تستقبلها الأفئدة فرحة ..

وإلى نبي الله أبعثها

                 مسكيّة اسماً وعنوانا

في حبه وبحبه قدَري

                  بهداه قد آمنت إيماناً

أهدىَ إلي الشعرُ ريّقه

         فجعلتُ لي في الشعر بستاناً

وغرستُ في مدح النبي شجا

               وسقيتُه روحاً وريحاناً

ويسير شيخنا، صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، في هذا الظل الوارف الممدود بالخير العميم ..

يا ظل وارفة بسيرته

          قد أثمرت جوُداً وإحسانا

مخضودة لا شوك يقربها

             هي منه قافية وأوزانا

هو رحمة للناس أرسله

           رب العباد هدى وتبيانا

ويمضي الشيخ محمد بن راشد داعياً بصدقية ناصعة، (ومن المديح تضرع ودعاء) كما يقول شوقي، وبقلب خاشع، ويجعلنا نردد معه متضرعين ...

يا رب أكرم أمة شرفت

             بمحمد، فضلاً وغفرانا

وعليه صلّ وكن لأمته

          عونا وبارك رب مسعانا

ويأتي بعد قصيدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في السلاسة والتعبير الجميل، قصيدة سالم بن علي العويس، في قصائده القديمة المليئة بحسن القول وجيده.. وكان هذا الشاعر الإماراتي، يضارع كبار شعراء العرب في الإتيان بالأمثال والحكم في شعره، ويتجنب شين الكلام والهجاء والغزل الغارق في الحسية.. وفي قصيدة ميمية رائعة يعارض فيها سالم العويس قصيدة البوصيري المشهورة بالبردة المباركة، ونهج هذه القصيدة لأمير الشعراء أحمد شوقي.. يرتقي فيها سالم العويس إلى مرتبة من الروحانية لم يسبقه إليها شاعر في الجزيرة العربية، وبالرغم من أن سالم العويس لم تكن لغته الشعرية في قصائده من تلك التي توصف عند النقاد بالجزالة، لكنه في هذه القصيدة بالذات بلغ فيها أقصى الجودة والرقي البياني، وجاء لنا بروائع من الكلام اللائق، التي تخاطب الوجدان والقلوب، ولعل خطابه الموجه إلى سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام، ساعده كثيراً على الخروج من الساحة الضيقة الجافة التي ضربت نطاقها على الإنتاج الفكري والثقافي لشعراء وسط الجزيرة، خلال القرنين الماضيين، فجاء سالم العويس بهذه السلاسة والبيان الرائعين.. ويستهل سالم العويس قصيدته :

يا سالف الدهر بين الحل والحرم

              لأنت أشهر من نار على علم

ماظن والليل ساج في غياهبه

            بفائق من ضياء الصبح مزدحم

حتى تكشف للأبصار عن كتب

            علم يحير رأس العُرب والعجم

تلك الرسالة قد آن الآوان بها

      من بعد ما ادخرت في اللوح والقلم

ويمضي العويس فيقول ..

                 فرد ينازلهم في كل معركة

بالباترات من الآيات والحكم

           نعم سلوا الحق هل خفت موازنه

أم قد تعادل رب الدار بالخدم

ويقول ..

لايدرك الصدر إلاّ كل مصطبر

          وأنت صدرك معصوم عن السأم (1)

فللقلوب نماء بالكتاب إذا

                   صدت إليه نماء النبت بالديم

يحادث المرء عن مكنون سيرته

              بالصدق واللين والتبشير والحكم

إلى آخر القصيدة حيث يقول ..

وللنساء نصيب ما اكتسبن له

          من بعد ما كن ميراثاً لمكتسب

وللبنات وللأولاد منزلة

            على الولي بقسطاس وللخدم

الاجتماعي إذ ألقى بنظرته

      على الشريعة لم تخرج عن النظم

من يهد ربك لم يبخس طريقتها

         ومن تضلله الأهواء فهو عَمي

وتأتي قصيدة الرحمة الكبرى لعبدالله محمد الجلاف من الشندغة بدبي، لتشكل معارضة أخرى لقصيدة البردة للبوصيري.. وكان هذا الشاعر عبدالله الجلاف معروفاً بارتياده حفلات المولد النبوي الشريف وخاصة في شهر ربيع الأول من كل عام.. ويقول في مطلع هذه القصيدة الميمية ..

من لاعج الشوق جفن العين لم ينم

               جريح حب الهوى العذري في ألمِ

ويقول في رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

               خير البرايا كريم الأصل ذي نسب

سمح السجايا رؤوف منبع الكرم

                  لولاه ما دارت الأفلاك مسبحة

فيها النجوم ولا حكم لمحتكم

               ولا استدار ضياء الشمس في فلك

لتسبل الضوء فوق الأرض للأمم

               ولا شممنا نسيم الصبح في شغف

ولا ابتهجنا بما في الروض من عنم

إلى آخر القصيدة التي يتضرع فيها إلى الله ..

رحماك يا رب مما جنته يدي

             تغفر ذنوبي بحق البيت والحرمِ

مني عليكم سلام الله قاطبة

                    لآل بيت رسول الله كُلِهمِ

وفي قصيدة لمدح الهادي صلوات الله عليه، يقول الشاعر والباحث الكبير إبراهيم بو ملحة ..

يارب صل على النبي محمد

         ملء السماء والأرض والأكوان

خير النبي الأولى أرسلتهم

             بالهدى والأخلاق والإيمان

لما أتيت إلى الوجود تعطرت

                   أسماعه بتلاوة القرآن

نثرت يداك الخصب في أرجائها

            فاخضل منها قفر كل مكان

أنت الدواء وأنت بلسم من إذا

             قد مسه شف من الأضغان

و لبوملحة قصائد كثيرة في مدح خير الأنام صلى الله عليه وسلم ..

وللشاعر سيف المري قصائد عديدة في استقبال المولد النبوي الشريف، ويقول في إحدى قصائده ..

من مثل أحمد في عظيم صفاته

                في خلقه أو جوده وسخائه

في صدقه في رفقه في عدله

             بين الورى في حلمه وحيائه

قد كان نوراً في جبين جدوده

             في السادة الأطهار من آبائه

وأتى اسمه في الكتب تترى آية

         عن وصف شيمته وعن أسمائه

حملته آمنة المطهر حملها

                  وتشرفت بجلاله وبهائه

حملت فما وجدت له ألماً ولا

               نصباً ولا كرباً لحين لقائه

جريدة الخليج