من غير الممكن بالتأكيد إحصاء عدد الأعمال الفنية والأدبية وحتى الفكرية، التي إنما انطلق مبدعوها في الاشتغال عليها من اقتباسهم تلك الرواية الفرنسية الكبرى التي كتبها فكتور هوغو، ولا تزال حتى اليوم تعتبر من أكثر روايات العالم اجتذاباً للقراء كما للمقتبسين يحولونها مسرحيات وأفلاما وأوبرات وكوميديات موسيقية وحتى باليهات وشرائط مصورة: «البؤساء». غير أن الأصعب من هذا هو إحصاء الكتّاب الذين فكروا يوما في أن يكتبوا ما هو حقاً معادل لها ولم يتمكنوا بسبب شموخ تلك الرواية وارتباطها بزمنها وبيئتها. ومع هذا نعرف أن ثمة دائماً من خاضوا التجربة بنجاح جزئي أو بإخفاق كليّ. ومن الذين خاضوها الأديب المصري مصطفى صادق الرافعي الذي وضع كتاباً بات شهيراً من دون أن يكون رواية، وجعل له عنواناً هو الأكثر قرباً من عنوان «البؤساء»، ونعني بهذا «المساكين» الذي أصدره عام 1917 أي قبل قرن بالتمام والكمال من الآن، وبالتحديد في العام الذي انتصرت فيه الثورة البولشفية التي كان من سماتها أنها «ثورة الفقراء على الأغنياء».

 

 

> ولئن كان واضحاً في هذا الكتاب، ومنذ عنوانه على أي حال، كونه يتطلع لأن يكون نوعاً من «المعارضة» لكتاب فكتور هوغو، يخيّل إلينا من ناحية أكثر مواربة، إنه أراد أن يكون نصّاً يردّ في شكل أو آخر على «الثورة البلشفية». فإذا كان انتصار تلك الثورة قد عنى في ذلك الحين أن في إمكان البائسين، أن ينتصروا على الأغنياء، ها هو المفكر العربي المسلم يأتي ليقترح شيئاً آخر تماماً: نوعاً من المصالحة بين الفريقين لا يكون فيها صراع دام ولا حرب طبقية. بل ينظم المجتمع فيها الصراع بين هؤلاء وأولئك. يترك للأغنياء أن ينعموا بما يملكون، مقنعاً الفقراء بأن القناعة كنز لا يفنى!!

 

 

> صحيح أن كتاب «المساكين» لا يقول ذلك بمثل هذا الوضوح. لكنه بكل تأكيد يقوله في شكل موارب ... يقوله من خلال العديد من العبارات والأفكار المطروحة فيه بذلك الأسلوب الجزل واللغة المميزة التي كانت لهذا الكاتب، والتي كثيراً ما أتت للتغطية على أفكاره الرجعية حتى وإن كان معروفاً بصداقته مع كبار النهضويين من أمثال الشيخ محمد عبده وسعد زغلول، ولكن في المقابل بعدائه لطه حسين. مهما يكن لنقرأ ما يكتبه الرافعي في «المساكين» من عبارات ذات دلالة: «إذا عملت المدنية على هدم حدود الرحمة والعطف والخوف بين الغني والفقير، وتركت قوة الإيجاب في طبيعة الحياة، من غير قوة سلبية من الإيمان في طبيعة النفس، فليس من بعد إلا أن يتحول الفقر من صورته البيضاء في سكب الدمع الى صورته الحمراء في سفك الدماء. كان سؤلا فيعود اغتصابا، وكان الأسفل فيعود الأعلى، وكان يفرضه الحق فإذا هو الحق نفسه. والله ولكأن المسكين في هذه المدنية هو الجزء اللئيم الذي طرده الغني من نفسه وتبرأ منه وأمات ما بينه وبينه، فإذا هما اعترضا في مذهب من مذاهب الحياة، نفر الغني كأنما يرى قبره يدنو منه، وأطبق عليه البائس بمعنى النقمة واللعنة يقول له: «ما أنا إلا لؤمك أنت»!. ويضيف الرافعي هنا: «ما البغض إلا فقر من المحبة، ولا الحسد إلا فقر من الثقة، ولا الطمع إلا فقر من العقل»، خاتما: «من عجيب حكمة الله أنه لا صلاح للعالم إلا بالفساد الذي فيه....».

 

 

> «إن أسلوب الرافعي قديم جداً لا يلائم العصر الذي نعيشه»، كما يقول يوسف أسعد داغر، من دون أن يمنعه هذا الحكم من أن يرى أن الرافعي «علم من أعلام الأدب العربي الحديث، وإمام من أئمة اللغة والبيان الرفيع في النهضة الأدبية الحديثة. كاتب ذو أداء محكم وبيان متعال ورمزية شفافة، وجداني النزعة روحاني الانحراف، جال في أغوار الضمير الإنساني، يحلل ويولّف ليصل إلى الغرس الإلهي في الكيان الإنساني (....) حيث إنه أطال التأمل في غوامض القلب الإنساني محاولاً إزاحة الستار عن مكنوناته».

 

 

> مصطفى صادق الرافعي الذي تضاربت الآراء في شأنه على الدوام، يعتبر أحد كبار كتاب النهضة المصرية في النصف الأول من القرن العشرين، وهو مع هذا لبناني الأصل كما يبدو، ولد في مدينة طنطا المصرية عام 1880 لأسرة هاجر أفرادها إلى مصر حيث اشتغل معظمهم بالقضاء الشرعي. وتلقى مصطفى صادق الرافعي تربية دينية، ودخل مدرسة دمنهور الابتدائية وهو في الثانية عشرة من عمره. وهو ورث عن أبيه القاضي الشرعي حب اللغة العربية والتفقّه فيها، وكان في التاسعة عشرة من عمره حين دخل سلك العمل القضائي، حيث عيّن كاتباً في محكمة طلخا الشرعية ثم نقل إلى محكمة ايتاي البارود فإلى محكمة طنطا. وفي طنطا تحول من المحكمة الشرعية إلى المحكمة الأهلية التي ظل يعمل فيها حتى رحيله عام 1937.

 

 

> منذ صباه الباكر، ظهر لدى الرافعي ميل الى الأدب وخاصة الى نظم الشعر. وهو أصدر ديوانه الأول في العام 1902، فكان من حظه ان اطلع عليه مصطفى لطفي المنفلوطي الذي كان واحداً من أشهر الأدباء العرب في ذلك الحين، وكانت كلمة واحدة منه تكفي لاسباغ الشهرة والمكانة على من يكتب عنه. والواضح ان اسلوب الرافعي الكلاسيكي ولغته الجزلة، والحزن الطاغي على أشعاره الأولى، كل هذا راق للمنفلوطي فكتب في امتداح ذلك الديوان الأول نصاً، جعل اسم الرافعي أشهر من نار على علم بين ليلة وضحاها. فإذا أضفنا إلى هذا المديح مديحاً آخر أسبغه على الرافعي، ولأسباب أخرى بالطبع، الشيخ محمد عبده الذي كان مصطفى صادق الرافعي وأمين الرافعي وعدد آخر من أدباء آل الرافعي من حوارييه، نفهم كيف أن مصطفى صادق سارع في العام التالي إلى إصدار مجموعة شعرية ثانية، لقيت ترحيباً أقل، ما جعل الرافعي يتباطأ، فلا يصدر الجزء الثالث من شعره إلا في عام 1912.

 

 

> غير أن مصطفى صادق الرافعي، لم يكن شاعراً فقط، بل كان كاتب نثر ومؤرخاً للأدب في شكل أساسي. ومن هنا ذلك الترحيب الذي ناله كتابه العلمي الأول «تاريخ أدب العرب»، الذي نشر جزأه الأول عام 1911، ثم أتبعه في العام التالي بجزء يعرض لعهد نزول القرآن، وللغة القرآن فسمّاه «إعجاز القرآن»، وهو الكتاب الذي نال حظوة الدارسين، و «أرغم» سعد زغلول على أن يتحول، للحظة، إلى ناقد أدبي فكتب عنه نصاً، جعل شهرة الرافعي تكبر وتكبر. ومنذ ذلك الحين، صار الرافعي على أي حال مَعْلَماً من معالم الأدب، وصار بإمكانه أن يخوض المعارك وأن يعتبر نفسه، واحداً من حراس الكلاسيكية ضد معظم المجددين والتجديديين. وصار له جمهور من القراء والمناصرين واسع يعتبره استاذاً من أساتذة «البيان العربي الجميل» هو الذي كان قد بدأ ينشر «لوناً مبتكراً» من ألوان «الإنشاء الشاعري الرقيق» عبر نصوص نشرها في كتابه «حديث القمر» (1912) الذي اتبعه بكتابه «المساكين» (1917) الذي شاء منه أصلاً أن يكون معارضة محلية لكتاب «البؤساء» للفرنسي فيكتور هوغو الذي كان أشهر كتّاب الفرنسية في ذلك الحين. وفي العام 1924 اصدر الرافعي وفي السياق نفسه كتاب «رسائل الأحزان» الذي جعله يوضع في مكانة واحدة مع «الحزين» الآخر مصطفى لطفي المنفلوطي. وقبل رحيله بسنوات قليلة نشر الكتاب الأخير في هذه السلسلة الوجدانية بعنوان «أوراق الورد».

 

 

> عام 1926، وإثر صدور كتاب طه حسين «في الشعر الجاهلي»، شاء الرافعي أن يجعل من نفسه الخصم الألد لطه حسين ولكلّ التجديديين فأصدر كتابه «تحت راية القرآن، أو المعركة بين القديم والجديد»، وهو الكتاب الذي كان له شأن لدى العامة والتقليديين... لكنه جعله يعتبر لدى التقدميين والرجعيين، متخلفاً عن عصره. ولقد ساهمت في اسباغ هذه الصفة عليه، مجموعة المقالات التي نشرها في ذلك الحين، وظل ينشرها حتى رحيله، في مجلة «الرسالة» وجُمعت في كتاب من ثلاثة أجزاء بعنوان «وحي القلم».

 

 

> ومن المعروف أن الرافعي وضع عام 1923، وبدفع من سعد زغلول نشيد مصر القومي الذي يقول مطلعه «حماة الحمى يا حماة الحمى». وهو بقي، وهو في عز شهرته كأديب وشاعر وناقد، يمارس وظيفته المتواضعة في طنطا، غير آبه بحياة القاهرة وصالوناتها الأدبية. وهذا ما جعل له احتراماً خاصاً، حتى لدى خصومه الذين كانوا كثيرين على أي حال.

جريدة الحياة