قبل سنوات طويلة، انتبه المفكر العربي الراحل صادق جلال العظم إلى التقاء الرأي العام الغربي المثقف مع الأصولية الإسلامية، بنفي انسجام الإسلام مع العلم الحديث والديمقراطية والحداثة، وهو التقاء ينبغي عدم المرور عنه بتسليم على أنه مصادفة، بل هو مؤشر على الكيفية التي ينظر فيها الطرفان إلى الإسلام بمصادره التشريعية، وأيضا، إلى المجتمعات الإسلامية التي تعيش تجليات "التشريع" واجتهاداته، وتحاول أن تتماشى معه. كما أنه يؤطر لعلاقة "عضوية" بين الطرفين، يستفيد فيها كل طرف من الآخر، ويستمد منه أسباب وجوده.

ينطوي الفكران؛ الغربي المثقف والأصولي الإسلامي، على مسوغات كاملة لمثل هذا الرأي، فينطلق الغربي في رأيه هذا من التصور الأهم عن الشرق الإسلامي الذي كرّسه المستشرقون على مدى قرون طويلة، والذي صاغوا من خلاله الوجدان الغربي بكامله، وهو رأي يمكن القول عنه إنه "مغرضن"، لجهة أنهم لم يريدوا أن يروا في هذا العالم غير الصورة التي تم تأطيرها له. هذا الرأي يتحدد بإطلاق صفة "القصور" على العقل الشرقي ككل، وتمييزه، من حيث البنية، عن العقل الغربي، لذلك يرون أن سقف الفكر الإسلامي لن يصل إلى اعتبار الحداثة والديمقراطية منسجمة مع ما يشترطه الإسلام من حياة على الإنسان. ويذهبون إلى أن "بنية النص" بطبيعتها تتعارض مع ما يجب أن تفرضه الحداثة من اقتراحات على العالم. ويقررون أن النص "سكوني" غير قابل للتطور، ولا يمكن له أن يكون صالحا للعصر الحديث.

الغريب جدا، أن المفهوم يمتلكه الأصوليون الإسلاميون، خصوصا فيما يتعلق بـ"سكونية" النص، ورغم أنهم ينطلقون بهذا المفهوم من مبررات "تنزيهية" تتعلق بـ"الثبات" و"الديمومة"، إلا أنهم، كذلك، ينفون "الاستعداد الأولي" للإسلام بالانسجام مع الحداثة، أو استدخال تعبيراتها وتجلياته على الحياة الإسلامية، سواء كانت الحياة العامة، أو السلوكات الشخصية التي تتحدد بعقد، في الغالب، في الدولة الحديثة. وهم يشددون على أن "الإسلام لا ينسجم إلا مع نفسه"، وهو التأكيد نفسه الذي يرتكز عليه الفكر الغربي في نظرته للإسلام.

الحداثة رجس في مفهوم الأصوليين، والإسلام رجعي في مفهوم الطبقة الثقافية الغربية، وهما مقولتان ضديتان تلتقيان التقاء صفريا، كما المعادلة الرياضية. غير أن المهم في هذه المعادلة، هو أنها تفتح باب الصراع على مصراعيه، فالمثقف الغربي يريد أن يجر الحداثة إلى وعي العالم بأسره، وهو يقوم بعملية التنظير لمصلحة السياسي الذي ينطلق من مصالح سياسية واقتصادية لتعميم النظريات التي تتماشى مع مفهومه للعالم الحديث. أما الأصولي المسلم، فمصلحته أيضا في إدامة الصراع الذي يرى أنه لا بد أن ينتهي إلى إقامة دولة الله على الأرض، وهو بذلك يحارب الحداثة كرجس يفتح الباب على "دولة الشيطان" التي تقع في النقيض من دولة الحق.

بهذا المفهوم، ثمة مصلحة متبادلة بين الطرفين لإدامة الصراع، حتى لو كان الصراع عبارة عن فوضى خلاقة أو غير خلاقة، فهي، في منظور الطرفين، لا بد أن تؤسس لنظام جديد، أو لمرحلة أخرى يتم الانتقال عبرها نحو طور آخر من الصراع.

إن أسئلة الفكر الغربي تجد صداها لدى الأصولية المسلمة، فيما تمترس الأصولية المسلمة تجد ما يغذيها لدى الفكر الغربي. هي علاقة تعايش يستفيد منها الطرفان بإدامة صراع قاتل، ولا أحد يدري عن ماذا سيتمخض. هو تحالف من نوع خاص، وكذلك علاقة عضوية محكومة، ابتداء، ببقاء النقيضين، أو زوالهما معا.

 

جريدة الغد