عندما سقط رجل عجوز على رصيف أحد الشوارع حملته سيارة الإسعاف إلى المستشفى واستطاعت الممرضة أن تقرأ من محفظته القديمة، اسم ابنه وعنوانه، وكان جندياً، فبعثت إليه برسالة عاجلة للحضور إلى المستشفى لمشاهدة والده المحتضر .

عندما وصل الجندي إلى المستشفى، قالت الممرضة للعجوز الذي غطى وجهه بكمامة الأوكسجين:«ابنك هنا». ومد الرجل يده فأخذها الشاب المجند وضمها إلى صدره بحنان لعدة ساعات! وبين الحين والآخر، كانت الممرضة تطلب من الشاب أن يستريح أو يتمشى قليلاً.. فيعتذر بلطف !

عند الفجر، مات الرجل العجوز. فقال الجندي للممرضة: من كان هذا الرجل! ردت الممرضة بدهشة: أليس والدك؟! قال الجندي: لا، ولكنني رأيته يحتاج إلى ابن فمكثت معه .

يمكن لهذه الحكاية البسيطة أن تكون مدخلاً لحكاية أطول، عن هؤلاء الذين يحتاجون إلى يد ممدودة تقودهم نحو رصيف من دفء المشاعر، فلربما كان للرجل العجوز ابناً في مكان ما، أو ربما كانت لديه عائلة ذات يوم، وها هو يحتاجها ليطبق عينيه على لحظات سعيدة. فتدخل القدر وأرسل له (ابناً) ليلعب الدور الوجداني، فأجاده ببراعة وساعد العجوز على موت رحيم .

عبر الأخبار تمر صور أهوال العالم، مشردون، ثكالى، مكلومون، ضائعون، ضحايا أبناء جلدتهم، ليسوا أبطال الفيلم، وليسوا كومبارس المقاهي ولا الحشود التي تهتف بحياة الزعماء .

بشر عاديون ذات يوم كان فوقهم سقف وفي آنيتهم طعام، لكنهم فجأة أصبحوا صوراً في نشرات الأخبار يجرون دموعهم على طرقات العالم، يقرعون الأبواب، لا يسألون الحاجة، لكنهم يبكون كرامتهم، مثلما يبكون (وظلم ذوي القربى) .

كل منهم يحتاج إلى سيارة إسعاف تحملهم من رصيف القهر، وإلى ممرضة تمسح أوجاعهم وإلى ابن يعود إلى حنانهم، وفي أحسن الأحوال إلى موت كريم، لذلك ترانا نتعاطف مع الثاكلين، وترانا نكثر من الحديث عن قيمة الإنسان عندما تهدر كرامته، وتتعرض مشاعره للذل، وترانا نلقي اللوم على من لا يحمي قيمة الإنسانية ولا يعلي من شأن البشر، بل نقف في صف الضحية ونؤازرها مدركين أن الضحية دائماً على حق، فما بالنا بضحايا القتل و(التشبيح)؟

وترانا في مرحلة ما نبحث فطرياً عمن يصغي لذكرياتنا، تلك الذكريات، ربما تكون كل ما لدينا من تواصل مع العالم حولنا .

جريدة البيان