لم يصبح جبرا إبراهيم جبرا بستانياً مثل والده الذي كان يزرع ويسقي ويرعى الزهور في «دير راهبات المحبة» في بيت لحم التي ولد فيها، ولكنه أصبح بستانياً في مجال الإبداع، فمنحنا حدائق في الأدب والترجمة والفن التشكيلي، هو الذي أطلق عليه فيصل دراج وصف: المبدع فائض الموهبة، تعبيراً عن تعدد اهتماماته وتنوّع مجالات الإبداع التي طرقها وتألق فيها  .

ومع أنه ولد في بيت لحم، إلا أنه ارتبط بحميمية أكبر مع مدينة القدس التي رحلت إليها عائلته بعد وفاة والده، حيث تابع دراسته الثانوية في الكلية الرشيدية والكلية العربية في القدس وتخرّج بتفوق، فأوفدته إدارة المعارف لحكومة فلسطين في بعثة دراسية إلى لندن عام 1939 ليدرس في جامعة إكستر، ثم جامعة كمبردج وينال شهادة الماجستير في الأدب الإنجليزي  .

عاد بعدها إلى القدس حيث عمل أستاذاً في الكلية الرشيدية، حتى نشوب النكبة الفلسطينية في عام 1948، حيث وجد نفسه مكرهاً على مغادرة القدس، وكانت بغداد وجهته، وهناك عيّن محاضراً في كلية الآداب والعلوم بجامعتها، ثم سافر إلى جامعة هارفارد في زمالة دراسية للنقد الأدبي، ليعود إلى بغداد ثانية، ويمكث فيها حتى وفاته عام 1994  .

ارتبط جبرا ببغداد المدينة والبشر والثقافة والفن، حتى غدا من نسيج المدينة التي كانت تزخر بالوعود في كل شيء، فأسس مع الفنان جواد سليم «جماعة بغداد للفن الحديث»، وتولى رئاسة جمعية نقاد الفن في العراق، وكان عضواً في اتحاد الأدباء والكتّاب في العراق وعضو شرف في جمعية المترجمين والفنانين العراقيين  .

في الرواية كتب جبرا: «صراخ في ليل طويل» و«البحث عن وليد مسعود» و«يوميات سراب عفان»، و«السفينة» و«عالم بلا خرائط» بالاشتراك مع الروائي عبد الرحمن منيف، وأضاف إلى المكتبة العربية نحو ثلاثين كتاباً مترجماً من أهمها مسرحيات شكسبير  .

وكتب سيرته الذاتية في كتابين: «البئر الأولى» و«شارع الأميرات»، عرض فيهما فصولاً شجيّة وشائقة من حياته الحافلة  .

لكن جبرا البغدادي، أو الذي أصبح بغدادياً، ظل مقدسياً في عمق روحه، وفي فضاءات أدبه  .

في سيرته وفي إبداعه نعثر على التجلي النموذجي لسيرة المبدعين الفلسطينيين الذين وجدوا أنفسهم خارج وطنهم، وبعيداً عن بئرهم الأولى  .

في الأدب الفلسطيني المنتج خارج فلسطين يحضر الوطن في كامل بهائه  .

وكان جبرا يقول: «إن القدس هي أجمل مدينة في العالم». وفي التعليق على ذلك قال فيصل دراج: «إن القدس جميلة في ذاتها ، ولكن المنفى أضاف إليها جمالاً آخر»، لأن الأشياء تبدو أكثر وضوحاً حين تغيب عن ساحة الرؤية ، حين تلتبس بجمالٍ لا نظير له  .

جريدة الخليج