كيف يسمى هذا العصر عصر المعلومات، وأنا لا أكاد أصادف أحداً يعرف أي شيء على الإطلاق؟

قد ينطوى هذا السؤال على إثارة ذهنية ولكنه قد يلمس أيضاً جزءاً من الحقيقة، إذ ليس هناك تعارض بين كثرة المعلومات وقلة المعرفة، وقد يكون هذا هو حالنا اليوم.

الصحف اليوم أكبر في عدد صفحاتها مما كانت، والتلفزيون يبث البرامج والمعلومات خلال عدد أكبر من الساعات، وأجهزة المحمول ووسائل التواصل الاجتماعي لا تكف عن نقل معلومات جديدة أو تلقيها.

المشتغلون بالسياسة يتكلمون كثيراً عن الشفافية وضرورة توافرها، وربما زعموا أنها متوافرة بالفعل، ولكن الحقيقة أن فهم الناس لحقيقة ما يجرى يبدو أقل مما كان.

هم يتساءلون أكثر مما كانوا في الماضي عن حقيقة ما يجرى، وبالتالي: إلى أين نحن ذاهبون؟

وسائل نقل المعلومات في العالم التي تسمى وسائل الإعلام تبدو أكثر فأكثر كالشخص الثرثار الذي لا يكف عن الكلام من دون أن يقول شيئاً ذا بال. فالأخبار التي تنهال علينا من نوع القول إنه جرى لقاء بين زعيمين سياسيين عالميين، وإنهما بحثا مختلف القضايا التي تهم البلدين.

ربما يضاف أن المحادثات اتسمت بالصراحة، من دون أن يقال شيء مهم عما قاله أحدهما للآخر، بصراحة أو من دونها، وبماذا أجاب عليه الآخر.

قد يعتبر هذا من قبيل نقل المعلومات، ولكن الحقيقة أنها لا تكاد تصل حتى إلى هذا المستوى، ناهيك عن نقل المعرفة.

هذه المفارقة الصارخة بين تزايد ما يعطى لنا من معلومات وتناقص ما يسمح لنا بمعرفته تظهر حتى في جلسات النقاش التي تدور على شاشة التلفزيون وتجمع بين من يسمون بالخبراء، إذ أصبحت أقرب إلى برامج التسلية منها إلى البرامج التثقيفية ويخرج منها المفكرون أو المختصون الذين اشتركوا في النقاش وقد أصبحوا أكثر شهرة من دون أن يقدموا نفعاً يذكر.

هي ظاهرة عالمية قد يكون تفسيرها أن وسائل الإعلام في العالم، وقد زاد حجمها وساعات إرسالها إلى هذه الدرجة، أصبحت تبحث عمن يملأ الفراغ المطلوب ملؤه بصرف النظر عما إذا كان لديه فعلاً ما يضيفه أو لم يكن.

ليس غريباً إذن أن من بين المشتركين شبه الدائمين في هذه البرامج من يتمتعون بخصلة معينة هي القدرة على الكلام في أي موضوع، والاستعداد للإجابة عن أي سؤال ولوقت ليس بالقصير، من دون أن يجيبوا بالضرورة عن السؤال المطروح.

لكن ربما كانت هناك تفسيرات أخرى أكثر عمقاً، فنحن نعيش في عصر يتشدق بالديمقراطية من دون أن يكون كذلك.

بل يلاحظ أن تأثير عامة الناس على القرارات المهمة يقل بدلاً من أن يزيد.

هذه الحالة، أي التشدق بالديمقراطية على عكس الحقيقة، تتطلب في ما يبدو كثرة التظاهر بإشراك الناس في الحياة السياسية، بعقد المؤتمرات والندوات وإذاعتها على الملأ، من دون أن تنتهي هذه المناقشات إلى رأي يمكن الأخذ به أو سياسة واضحة يمكن تنفيذها.

أضف إلى ذلك أن التمييز بين تحصيل عدد أكبر من المعلومات، وتحقيق درجة أعلى من المعرفة ليس سهلاً دائماً، إذ من الشائع الخلط بينهما، كما يكثر الخلط بين الطالب الذي حفظ المقرر عن ظهر قلب والطالب الذي حفظ جزءاً أصغر ولكنه فهم أكثر.

تحصيل المعلومات لا يتحول إلى معرفة إلا بالربط بين المعلومات ربطاً يترتب عليه منفعة أكبر، في صورة فهم أعمق للظواهر ومسبباتها، وكثير من الناس يقنعون بتحصيل معلومات أكثر عن ظاهرة ما ولو لم يقترب ذلك بفهم أسبابها.

قد يكون هناك تفسير آخر وراء هذا الانفصام المتزايد بين حجم المعلوم وحجم المعرفة.

نحن نعيش في عصر تزداد فيه أهمية الدوافع الاقتصادية بالمقارنة بغيرها من الدوافع: سياسية أو ثقافية أو أخلاقية.

الدوافع الاقتصادية كثير ما تكون سيئة السمعة، كما لو كانت تحقق أقصى ربح وأكبر حجم للمبيعات ولو بخداع المستهلكين.

هذه الدوافع يفضل أصحابها إخفاءها بقدر الإمكان وادعاء عكسها، مثلما يحدث في الإعلانات عن سلع مدرة للربح الوفير ولكنها قليلة النفع أو حتى جالبة للضرر، كالإعلان عن سلع مضرة بالصحة أو تؤدي إلى الإدمان أو إلى السمنة المفرطة.

إن معرفة الحقائق في هذه الأمور لا تحقق فائدة اقتصادية للمنتجين أو الموزعين فيجدون من مصلحتهم الادعاء بعكس الحقيقة.

أظن أن التطورات التكنولوجية الحديثة تساعد أيضاً على هذا الخلط بين زيادة المعلومات وزيادة المعرفة.

هذه التطورات تسمح الآن بنقل المعلومات بسرعة أكبر، وهذه السرعة قد تلهي من يتلقى المعلومات عن انتظار تفسير لما حدث، أي الحصول على معرفة، بل قد تخلق انطباعاً بأن الأمر قد انتهى بمجرد إلقاء المعلومة وتلقيها من دون أن يقترن هذا بأي تفسير.

في ضوء هذا كله هل نستغرب أن تقول الزوجة لزوجها إن هذا العصر ولو أنه يسمى عصر المعلومات لا يبدو أن حجم معرفتها أو معرفة أي شخص آخر قد حقق أي تقدم؟

 

جريدة البيان