في وقت من الأوقات شاعت في أوروبا ظاهرة تسجيل قصائد الشعراء الكبار على أسطوانات بأصواتهم، وكانت هذه الأسطوانات تحقق نجاحاً كبيراً، وتعود على الشعراء بعوائد مالية معتبرة.

ويذكر الناقد الراحل رجاء النقّاش، أنه استمع إلى بعض هذه الأسطوانات للشاعرين الفرنسيين أراجون وبول إيلوار، وكانت من أجمل ما استمع إليه في حياته، ورغم أن لغته الأجنبية هي الإنجليزية وليست الفرنسية، إلا أنه وجد متعة فنية حقيقية في أداء الشاعرين الكبيرين لقصائدهما، وكان يحس بانفعالاتهما إحساساً كبيراً من خلال صوتيهما العميقين المؤثرين.

وأشار النقّاش في هذا السياق كذلك إلى أسطوانات سجّل عليها الشاعر الإنجليزي، الأمريكي الأصل، ت. س. إليوت بعض قصائده، وكانت هذه الأسطوانات، هي الأخرى، متعة حقيقية كبيرة، ذلك أن شعره يعتبر فناً صعباً، فغالباً ما يلجأ إلى الرموز، ويشير إلى أساطير قديمة متنوعة، بعضها يوناني، وبعضها فارسي، وبعضها من أصول شعبية هندية، لكن الاستماع إلى إليوت وهو يلقي قصائده يقدم مساعدة على الاستمتاع بهذا الشعر الصعب، وفهم معانيه الغامضة الخفية، وقد كسب هو الآخر من وراء بيع هذه الأسطوانات مكاسب مادية لم ينل مثلها خلال حياته الطويلة من وراء نشر دواوينه الشعرية.

أمر مشابه يمكن أن يقال عن الشاعر الروسي الكبير يفجيني يفتوتشينكو الذي أثار زوبعة كبيرة في الحياة الأدبية في روسيا، وفي خارجها أيضاً، بسبب نبوغه الشعري، لكنه تميّز أيضاً بمقدرته المدهشة على إلقاء وتوصيل شعره للجمهور، حيث كان يقف في مناسبات مختلفة في الساحة الحمراء في موسكو، وحوله تلتف جماهير واسعة لتستمع إلى أشعاره وهو يلقيها بصورة مؤثرة.

ويبدو أن للشعر العربي بالذات، نصيباً كبيراً من هذا النوع من التقاليد، حيث كان كبار الشعراء يمتازون بمقدرتهم على إلقاء هذا الشعر بصورة تأسر الألباب، فالمتنبي، مثلاً، كان ينشد شعره أمام سيف الدولة في حلب، وكان هذا الأخير ينظر إليه بصفته سلاحاً فعالاً ضد خصومه، لما لشعره من قوة معنوية في التعبئة.

وفي العصر الحديث، كان محمد مهدي الجواهري شاعراً منبرياً بامتياز، أي أنه كان يجيد ويحب إلقاء قصائده التي كانت الواحدة منها في إحدى ساحات بغداد كفيلة بإطلاق تظاهرة، أو تفجير انتفاضة، حيث كان يقف على منبر، أو يحمل على الأكتاف ويتدفق شعراً يلهب حماس الحضور.

لم يفعل محمود درويش وأدونيس ما كان الجواهري يفعله، لكنهما قادران على أن يحبسا أنفاس القاعات المحتشدة بالجمهور، وعلى أن يخلقا مع هذا الجمهور لغة تواصل حية، جديدة من نوعها، تمليها طبيعة التراكيب والصور الشعرية الجديدة.

جريدة الخليج