«ترى الكائنات على الأرض وهي تتقاتل دائماً فيما بينها بأذى كبير، وحتى الموت، من كل اتجاه. لن تكون هناك خاتمة لنزعتها الشريرة، وعبر أفعالها يُطرح شجر كبير من غابات مهولة في العالم على الأرض. لن يبقى شيء على الأرض، أو تحت الأرض، أو في الماء إلا ويُضطهد، يُنزع أو يدمر أو ينقل من أرض لأخرى، وتصبح أجسام الكائنات مقبرة تعبر من خلالها أجسام الموتى من الكائنات الحية. يا أرض لمَ لا تنشقين؟ ولمَ لا تندفعين في جحيمك الكهفي الهائل الفاغر فمه، وتوارين عن السماء هذه الوحوش القاسية الضاربة ؟ »

من تحسبون قائل هذا الكلام؟ أيكون تولستوي ياترى، أم ديستوفسكي؟ لا. إن القائل ليس روسياً. أيكون شكسبير؟ مرة أخرى لا، فالقائل ليس من إنجلترا. أيكون جوته هو القائل؟ الإجابة أيضاً: لا، فالكاتب ليس ألمانياً. أتكون فقرة من نص من النصوص الإغريقية القديمة؟ ورابعة نقول لا، النص ليس بكل هذا القدم، كي يكون من أثينا القديمة، كما أن القائل ليس إغريقياً، ولكنه من بلد يقع على البحر الأبيض المتوسط مثل اليونان. وسآتي على ذكر اسم البلد والقائل بعد هنيهة .

لماذا أوردت كل تلك الأسماء الكبيرة، لكي نفترض أن أحدها هو من كتب هذا الكلام؟

سأوجز شرح السبب: مقدار البلاغة التي تذكّرنا بطوفان بلاغة شكسبير، كما وصفها كارل ماركس، هذا التكثيف المدهش للحكمة، وللحس الأخلاقي والإنساني العالي، والنبذ المطلق للشر، والعنف، والخسة، والوضاعة، التي نصادفها في كلاسيكيات الأدب الروسي، وسواه من الآداب الإنسانية الكبرى، تلك الرهافة في الإحساس بالطبيعة من حولنا، التي تميز تلك الكائنات البشرية الحساسة المبدعة، من وزن أولئك الكتاب والأدباء .

قد تندهشون لو علمتم أن القائل هو الرسام الإيطالي - العالمي الشهير ليوناردو دافنشي. والكثيرون، وأنا واحد منهم، يجهلون أن دافنشي خلّف كتابة جميلة. صحيح أنها لا ترتقي إلى مقام لوحاته الخالدات التي ما زالت تستقر في كبريات المتاحف العالمية، أو تتجول بينها، ولكنها كتابة آسرة، ناطقة بالمعنى، ومكتنزة بالفكر، وعميقة .

شكراً للمترجمين من اللغات الأجنبية حين يضعون بين أيدينا، نحن قراء العربية، ما نجهله في سيرة العظام من الفنانين والأدباء والمبدعين، ومن هؤلاء المصري محمد عيد إبراهيم الذي ترجم إلى العربية «يوميات ليوناردو دافنشي»، لتصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب .

جزء كبير من هذه اليوميات أتى على شكل شذرات قصيرة للغاية، وجزء آخر أتى أطول من ذلك، من دون أن يغادر الكاتب الطابع الشذري - التأملي لها. إنها ليست يوميات بالمعنى الذي يرد في أذهاننا حين نسمع المفردة، فهو لا يتحدث عن وقائع، بقدر ما يبث تأملات وأفكاراً، وهي جديرة بأن تقرأ، شريطة ألا يكون ذلك على عجل، فمثل الفكرة العميقة يحتاج إلى صبر . –

جريدة الخليج