إلحاق مصر من قبل الفاطميين كان يعني أكثر من إجراء تغيير في الحكم: فقد تأثرت حياة الناس العاديين، والتجار والحرفيين والأدباء بشكل وثيق.

في السنوات الأولى للفتوحات الإسلامية، كانت مصر جزءاً من امبراطورية شرقية، تابعة أولا للأمويين في دمشق، ومن ثم للعباسيين في بغداد، وقد عكست الاتصالات الشخصية والصلات التجارية والاتفاقات الثقافية هذا الولاء.

وجاء الفاطميون من الغرب، وكان معقلهم في المغرب، المعروف اليوم بالجزائر وتونس، أما صلاتهم فكانت مع شمال غرب أفريقيا وصقلية وجزر غرب البحر الأبيض المتوسط. وكانت تشير الأصول الغربية للفاطميين إلى أن الأفكار والنماذج الخاصة بالأنماط والتصوير المطلوبة من الحرفيين في الفسطاط لم تعد شرقية بشكل حصري، لكنها تأتي على قدم المساواة من اليونان والرومان والبيزنطيين، ومن إسبانيا وتقاليد المغرب. وأصبحت التخيلات التصويرية أكثر أهمية بكثير من أي وقت مضى في العالم الإسلامي، وخضعت لتغيير ملحوظ في المزاج.

وهذا التغيير حصل في جميع الفنون خلال حكم الفاطميين، في الرسم وحفر الخشب والأعمال المعدنية والمنسوجات، وهو واضح في صناعة الفخار. وكان الإقبال على الرفاهية والأشياء المترفة خلال العصر الفاطمي يعني أن الحرفيين في المدينة كانوا مجدداً نشيطين في مجال الأعمال، على الرغم من أن رعاتهم من وقت إلى آخر عانوا من وفيات مبكرة. وقد انتشرت أفكار جديدة في كل الأنحاء وتضاعفت أعداد ورش العمل في الفسطاط.

 

وتميز الفخار الفاطمي العادي والمزجج بالتنوع بالتصاميم ومواد التصنيع التي كان يتم الحصول عليها من أجزاء أخرى من العالم العربي، مما يعني أن جماعات عدة من الحرفيين كانوا يعملون بشكل مستقل، ويستجيبون إلى أنواع مختلفة من الطلبيات على قطع العرض المنقوشة والأواني الصغيرة، وغالبا ما كان المزجج الفاطمي ممهوراً ومحفوراً، لكن لم يكن ممكناً معرفة إلا تاريخ قطعتين، وهما تعودان إلى الخليفة الحاكم (996-1021)، واحدة منها محفور عليها "من صنع مسلم ابن دحان لإرضاء حسن الحاكمي، والأخرى صحن رائع مرسوم بلوحات من الأرابسك وحوافه العريضة محفورة، وهو تكريم للقائد العسكري غابور. الصحن يمكن رؤيته الآن في المتحف الإسلامي بالقاهرة. ويعود الفضل في تصميم وصباغة الفخار المزجج في هذين المثالين إلى التقليد القديم، لكن كلاهما يتضمنان ميزات أصلية.

اللون، وبوجه خاص طيف ألوان الشمس الذهبية، كان ذا أهمية كبيرة لصور الفخار المزجج، كذلك اللون المزجج من العنبر الأخضر داكن اللون. ويمكن العودة إلى تواريخها للمزجج الفاطمي وتعتبر نادرة، لكن مجموعة واحدة تبرز بينها وهي، تلك الصحون التي تتخلل جدران بعض الكنائس في مدينة بيزا الإيطالية. وجودها في بيزا يشير إلى أن المزجج بلون الشمس الأكثر إشراقا كان ربما مصنوعاً بنهاية القرن الحادي عشر.

ويقدر أن ما يصل إلى تسعين في المئة من الفخار المزين المصنوع في القاهرة كان مزججاً في تلك الفترة، ومعظمه كان مصنوعاً من أجل الاحتفالات. ومن بين تصاميم الفخار المزجج الفاطمي الأكثر شهرة تلك التي تعتمد على أشكال النباتات مع سعف النخيل وأوراق شبيهة بالحربة.

التصاميم أصبحت أكثر انفتاحا من منتصف القرن الحادي عشر. أما المنقوشات على الصحنين المصنوعين في عصر الحاكم فإنها متميزة عن الزخرفة، لكن لاحقا أصبحت أشكال الأحرف على شكل أزهار، بشكل خاص بالتقليدين الفاطمي والأندلسي. وقد امتدت أشكال الأحرف الكبيرة إلى زينة نباتية هدفها جعل المخطط الزخرفي يغطي الآنية كلها، ثم تندمج المنقوشات والتصاميم الزخرفية في شكل واحد.

وقد كونت تلك التصاميم مزاجا مبهجا، كما نقلت رسالة من التبريكات والسلام والوفرة. وامتلكت الكتابة قدرة خاصة وطاقة ربما كان يشعر بها معظم من كانوا أميين.

ويتسم الفن الإسلامي بأهمية أبعد من معنى الكلمات التقليدية.

 

جريدة البيان