هناك سؤال دقيق غالباً ما شغل بال أهل الأدب ونقاد الشعر ومؤرخيه: ما هي القيمة الحقيقية لمجموعة شارل بودلير الشعرية «أزهار الشر»؟ هل كانت ستكون لها القيمة ذاتها والسمعة ذاتها لو أن السلطات الفرنسية لم تنع انتشارها طوال فترة تقرب من قرن من السنين؟ هل إن مكانتها، في حقيقة أمرها، مكانة فنية خالصة أم هي مكانة سياسية واجتماعية، بل حتى فضائحية؟ والحقيقة أن الذين يطرحون مثل هذه الأسئلة التي تبدو أحياناً متضمنة أجوبتها «السلبية» في ثناياها، يستندون في هذا التعبير عن «حيرتهم» إزاء هذا العمل الأدبي الى واقع يرصدونه في شكل فجّ كما يقولون: واقع أن الحديث عن «أزهار الشر» كان يملأ الدنيا ويشغل الناس طوال العقود التي كان المنع سارياً فيها. وكان ثمة من بين النقاد والأساتذة والمثقفين في شكل عام من يبذل جهوداً مضنية لخرق الحظر وتحدي السلطات والإطلال بشعر بودلير هذا بين الحين والآخر. ولكن بعد ذلك، ومنذ صدر الحكم القضائي الذي ألغى الحظر عن تلك القصائد كما سوف نرى بعد سطور، خبا الحديث عن تلك الأزهار الشريرة بالتدريج الى درجة أنها تكاد تبدو اليوم أشعاراً عادية بالكاد يتحدث عنها أحد. مهما يكن، نعرف أن هذا يكاد دائماً يكون مصير العدد الأكبر من الأعمال التي يحدث لها أن تُمنع يوماً. حينئذ تصبح حديث الناس ومثار اهتمامهم. ولكن لاحقاً حين يزول هذا كله يستعيد العمل الذي كان محظوراً أهميته العادية ويزول سحره بل غالباً ما يُنسى بالمقارنة بأعمال أخرى لمبدعه نفسه، يكون ظل من التجاهل قد غطى عليه إذ لم يطله مقص الرقيب. ولعل المثال الأشهر الذي يمكن إيراده في هذا الصدد هنا، هو الكاتب الإنكليزي من أصل هندي سلمان رشدي الذي حين صدرت فتوى الخميني ضده بسبب روايته «الآيات الشيطانية» نظر كثر اليها، وربما نكاية بالفتوى ذاتها، باعتبارها عملاً أدبياً كبيراً وباعت عشرات ملايين النسخ واضطرت مؤلفها الى الاختباء عقوداً. والأدهى من هذا أنها فُضّلت على روايات أخرى للكاتب نفسه تفوقها قوة وإبداعاً، مثل «أطفال منتصف الليل» و «العار». ثم لاحقاً حين بهتت فتوى الإمام الإيراني وراح رشدي يظهر علناً ويُكرّم، وهو يضحك في عبّه مسروراً من تلك الدعاية التي أمنها له شيخ الثورة الإيرانية، بهتت «الآيات الشيطانية» تماماً، لتعود روايات الكاتب الأخرى تتصدر المشهد.

 

 

> فهل يمكننا أن نقول إن شيئاً مثل هذا حدث لبودلير بعد عقود من رحيله وعقود أكثر مضت على نشر «أزهار الشر» ومنعها لتكتسب تلك السمعة المدهشة؟ الحقيقة أن قراءة اليوم لبعض القصائد الأساسية التي تتألف منها هذه المجموعة قد تدفع الى التساؤل عن أسباب منعها حقاً! فحتى في معايير منتصف القرن التاسع عشر حين ظهرت المجموعة، كان يمكن اعتبارها غير مؤذية ولا تحمل ذلك القسط من الإباحية أو الفسق الذي يوحي المنع بوجوده. وبالتالي فهي تشبه في هذه الحال عدداً كبيراً من كتب وأعمال إبداعية أخرى تظل محيّرة في الدوافع التي أعطتها تلك السمعة الملتبسة، السمعة التي أضفت عليها قيمة قد نجد يوماً أنها لا تتمتع بها في حقيقة أمرها. فهلّا يذكرنا هذا بما رواه لنا مرة صديق ترأس الرقابة في بلده وأقسم لنا بأن أكثر من نصف دزينة من الكتاب اتصلوا به يوم صدر قرار بمنع رواية لزميل لهم أثار ضجة وجعل الرواية تباع سراً وتحت المعاطف، سائلين إياه أن يصدر قراراً بمنع كتب لهم... لعل وعسى؟؟!

 

 

> مهما يكن من أمر لن نستطرد في هذا، بل نعود الى بودلير ذاته لنقول إن هذا الشاعر الفرنسي الشهير، كان قد مات منذ زمن طويل، حين حقق في الأول من حزيران (يونيو) 1949، أكبر انتصار في مساره الشعري. إذ إن القضاء الفرنسي أصدر في ذلك اليوم الذي لن ينساه محبو الشعر بعد ذلك أبداً، حكمه بأن يعاد الاعتبار لمجموعة «أزهار الشر» التي كان حكم آخر صدر في العام 1857 «قلم أظافرها» وانتزع منها ستاً من «أجمل قصائدها»، كما قال النقاد على الدوام. وكان على «أزهار الشر» أن تنتظر اثنتين وتسعين سنة، قبل أن تصدر مكتملة، وبأمر واضح من القضاء الفرنسي. وشارل بودلير الذي كان قد رحل عن عالمنا في العام 1867 وهو غير دارٍ أبداً بالمصير الذي سيكتبه التاريخ لمجموعته الشعرية الأساسية كان عليه أن «ينتظر» بعد موته 82 سنة قبل أن يرقد، أخيراً، مطمئناً راضياً.

 

 

> صحيح أنه لا يزال هناك حتى اليوم من يرى في «أزهار الشر» مجموعة من الشعر الإباحي الذي لا يجوز أن يطلق من عقاله وأن يقرأ بحريّة، ومن المعروف أن غالبية الطبعات التي صدرت فيها المجموعة طوال ما يقرب من مئة عام، وغالبية الترجمات التي تحققت لها الى اللغات الأخرى، ومنها بالطبع اللغة العربية التي نقلت اليها أشعار «أزهار الشر» مرات عدة، انطلقت كلها من الطبعة المنقوصة التي كان القضاء الفرنسي تدخل لجعلها هي الطبعة المتداولة.

 

 

> منذ بداية أربعينات القرن التاسع عشر كان شارل بودلير بدأ يشتغل على مجموعته الشعرية تلك، والتي كانت في الأصل تتألف من خمسة أقسام تضم مئة قصيدة، وكان بودلير يرى أن تلك القصائد انما تلخص شعره كله، وانه إذا صدرت مجتمعة على النحو الذي يرتئيه، لن يكون في حاجة لأن ينشر أية أشعار أخرى. وبالفعل اكتملت المجموعة بعد عمل وجهد داما خمسة عشر عاماً. وصدرت في طبعة أولى يوم 25 حزيران (يونيو) 1857، عند الناشرين «بوليه - مالاسي» و «برواز». خلال الأيام الأولى التي تلت صدورها، لم يقبل القراء بالطبع على شراء المجموعة بشكل جنوني. كان مصيرها في ذلك الحين مصير أية مجموعة أخرى: يشتريها هواة الشعر وهم نادرون، ويقرأونها في ما بعد، أي حين تتيح لهم أوقات فراغهم ذلك. أما إذا قرر النقاد أن يكتبوا عنها فلن تكون الكتابة إلا بعد أسابيع وربما بعد شهور. كان ذلك هو المصير الطبيعي لأي عمل شعري. ولكن، كما أن خصوم الشيء هم الذين، في أغلب الأحيان، يحددون له مكانته، نُشر في صحيفة «الفيغارو»، وبعد ثلاثة أسابيع فقط من صدور «أزهار الشر» مقال عنيف ضدها يتهمها بالإباحية حمل توقيع شخص شبه مجهول يدعى غوستاف بوردين. وهكذا انتقلت «أزهار الشر» من حالتها كمجموعة شعرية الى قضية عامة، إذ إن المقال سرعان ما فعل فعله، وفي الوقت الذي كان فيه مئات، وربما ألوف القراء يتدافعون لشراء المجموعة في طبعتها تلك وقراءتها، بحيث أصبح بودلير بين ليلة وضحاها أشهر شاعر في فرنسا، في ذلك الوقت كان القضاء قد أمسك بالقضية وأمر بمصادرة النسخ الباقية من «الأزهار» الشريرة في المكتبات. ثم بعد مداولات صدر الحكم: يعاد نشر المجموعة شرط أن يمحو الشاعر منها ست قصائد هي الأكثر إباحية ولا أخلاقية في المجموعة. وإضافة الى ذلك فرضت على الشاعر وناشريه عقوبات ماليّة ضخمة. ومنذ ذلك الحين أضحت «أزهار الشر» مجموعة شعرية ملعونة، حتى بصيغتها المخففة، وستظل تلك حالها الى أبد الآبدين.

 

 

> مهما يكن فإن المجموعة، وقد اقتطعت منها القصائد المدانة، عاشت حياتها بعد ذلك، إذ فور صدور الحكم صدرت منها طبعة ناقصة كما أمرت المحكمة، وفي العام 1861 صدرت، في بروكسيل، الطبعة الناقصة ولكن بعد أن أضيفت اليها خمس وثلاثون قصيدة جديدة. وفي العام 1868 صدرت طبعة أخرى، وذلك في العام التالي لموت شارل بودلير، وهذه الطبعة الجديدة التي أشرف عليها ثيوفيل غوتييه الكاتب الذي كان بودلير أهدى اليه المجموعة الأصلية، سميت بـ «الطبعة النهائية» اذ أضيفت اليها خمس وعشرون قصيدة أخرى سبق ان طبعت سراً في بروكسيل. ومنذ ذلك الحين ظلت الطبعة الأخيرة هي المعتمدة، حتى كان الأول من حزيران 1949 حيث صدر حكم المحكمة بإعادة القصائد المنتزعة الى المجموعة. وتم ذلك بناء لطلب تقدمت به «جمعية أهل القلم» استناداً الى قانون كان صدر يوم 26/9/1946 استخدمته المحكمة لتعيد الى المجموعة التي يعتبرها تاريخ الشعر «فاتحة الشعر الحديث» في العالم، صورتها الأولى التي شاءها لها مؤلفها.

جريدة الحياة