حين نقارن بين كمية المشي على الأرجل التي نقوم بها خلال سفرنا لمدن وبلدان أخرى، غير بلداننا الخليجية بالطبع، ونظيرتها عندما نكون في بلداننا نشعر بالفرق الكبير، فأثناء السفر تجد نفسك تمشي بمتعة وتلقائية ودون سابق تخطيط. أي أنك لا تعقد العزم على أنك ستخرج للمشي على الرجلين لغاية ممارسة الرياضة، على نحو ما ينصح به الأطباء المعنيون بمراقبة نسبة السكر أو الدهون أو ضغط الدم في أجسامنا، وإنما تفعل ذلك بمنتهى العفوية، كأن تكون قاصداً «السوبر مار كت» القريب من الفندق الذي تسكن فيه، فلا تجد ضرورة لطلب تاكسي، وإنما تشعر بسعادة وأنت تقطع المسافة إلى مقصدك مشياً .

وقد يغريك مشوارك القصير إلى مقصدك بأن تواصل المشي في الشارع نفسه، لتكتشف أنه شارع طويل، أو أنه يفضي بدوره إلى شوارع أخرى تجد نفسك فيها، حتى دون أن تكون لك غاية من وراء ذلك. بالفعل أنت تمشي من أجل المشي وحده، أو للدقة من أجل لا شيء، سوى الفرجة ورؤية ما في الشارع من محال أو معالم، قد تقف عند بعضها، أو تلج بعضها الآخر لإشباع فضول ينشأ لحظتها، وقد لا تفعل شيئاً من ذلك، دون أن تلاحظ أن الوقت مرّ دون أن تشعر به، وأنك قطعت ضعف أو أضعاف الوقت التي ينصحك الطبيب بأن تحرص على إنفاقه يومياً أو أسبوعياً في المشي، حفاظاً على صحتك .

إنه شعور جميل بأن تفعل ذلك غير مسكون بالشعور أنك تؤدي فرضاً أو واجباً أو التزاماً، حيث أن الأمر هو أشبه بممارسة إيقاع الحياة اليومي العادي. حتى لو خطر في ذهنك أن تركب «الباص» أو مترو الأنفاق أو الترام كي يعيدك إلى فندقك، ستجد، في الكثير من الحالات، أن ثمة مسافة بين أقرب محطة لأي واحدة من وسائل النقل هذه وبين فندقك أو أي مكان آخر تقصده، عليك أن تقطعها مشياً .

سبب أننا نفعل ذلك بسعادة وعفوية حين نسافر، ونتهرب منه أو نفتعل الذرائع كي نتفاداه ونحن في مدننا، الخليجية خاصة، هو الهيمنة التامة على ما بات يعرف ب«ثقافة السيارة» على حياتنا، فمهما كان المشوار المراد قطعه قصيراً فإننا نقطعه بالسيارة، ولا يخطر في أذهاننا أن نفعل ذلك مشياً على رجلينا، حتى لو كان الجو جميلاً ومنعشاً ومبهجاً، كما هي أجواؤنا هذه الأيام .

لذا لا غرابة أن تترهل الكروش في مقدمة البطون، وأن تبلغ أوزان أجسامنا ما لا طاقة لهذه الأجسام على تحمّله من وزن، فتكثر الشكوى في جلسات المتقاعدين، وحتى من هم دونهم سنّاً، من آلام الظهر والرقبة والرجلين وما إليها من أعراض ناجمة عن قلة الحركة أو حتى انعدامها، بسبب عبوديتنا للسيارات .

جريدة الخليج