لم تستطع مدينة تلمسان أن تصبح مركزاً لمملكة مزدهرة، ربما لأن الشريط البحري الضيق يصل إلى أضيق مدى حيثما تقع المدينة، ولم يكن بإمكان حكام تلمسان الاعتماد على قاعدة ثابتة من الفلاحين كجيرانهم إلى الشرق والغرب، ومهما كانت الأسباب فقد تجنبت القوى الكبرى المدينة.

طوال تاريخها، منذ مجيء الإسلام، كانت تلمسان مركزاً للثقافة والدراسات الدينية، ونظراً لمناخها الصحي، فإن العديد من العلماء المشهورين زاروا المدينة واستقروا فيها وتوفوا هناك، مما أضاف إلى أجوائها رونقاً وزادها جاذبية كمركز لاستقطاب الزائرين.

أما مجد المدينة الأكثر إذهالاً حالياً فتشمل المعالم الأثرية العظمى التي تم بناؤها في فترة العصور الوسطى، وهذه تمثل بعضاً من أروع الأمثلة في شمال أفريقيا اليوم، ولم يتبق شيء تقريباً من المعالم الأقدم عهداً من تلمسان، مسجد أغادير، الذي تأسس على يد إدريس الأول في عام 790 ميلادي، ثم قام نجله باستكمال بنائه.

المبنى الأقدم المتبقي الذي يتصف بالأهمية في تلمسان هو مسجد المرابطين، والذي لا يزال موضوعاً لدراسات مهمة.

المرابطون كانوا الأوائل، وقد شملت إمبراطوريتهم المغرب العربي والأندلس المسلمة التي كان تأثيرها على التطور المعماري في غاية الأهمية.

في الواقع، فإن عدداً من السمات المعمارية من المسجد الكبير في قرطبة سيجري اعتمادها ليس فقط في الدول الإسلامية الأخرى إلى الجنوب، لكن أيضا في تطوير العمارة «الرومانية» في فرنسا. وتم بناء المسجد في عام 1135 على يد حاكم المرابطين علي بن يوسف قبل فترة وجيزة من وفاته في عام 1143، وكان الأخير بين عدد من المساجد المهمة التي تم بناؤها.

وعلى الرغم من أن الموحدين لم يبنوا أي معالم عمرانية أثرية في تلمسان، إلا أن التأثير الأندلسي خلال حكمهم ترسخ، ووضعت بعض المعايير المعينة التي تركت تأثيراً على مجمل التنمية المعمارية اللاحقة في المغرب العربي. تم تحديد، بوجه خاص، شكل المئذنة من جانب الموحدين مع مآذنهم الثلاث الكبرى في إشبيلية والرباط، وصومعة الكتبية في مراكش التي لا تضاهى في أناقتها.

لجميع المآذن مخطط مربع، قد يكون مستمداً من أبراج ذات طرازات سورية التي تم استيرادها مباشرة إلى الأندلس من قبل الأمويين، وليس لتلك المآذن الجانب المستدق كما في القيروان، وهو يشير، على ما يبدو، إلى أصول أفريقية أقدم عهداً. ويتألف الديكور الخارجي مثل المأذنة من طوب محروق.

وهناك مبنى خاص تم إنشاؤه خلال القرن الحادي عشر هو الحمام العام، المعروف باسم «حمام الصباغين». وهو المثال المتبقي الأكثر كمالاً من تلك الفترة، ويفصح عن انحداره مباشرة من الحمامات الرومانية.

وإلى جانب المأذنتين اللتين قام بتزينهما، والمسجد في تلمسان، و«مسجد المرابطين»، فقد شيد «يغمراسن» قلعة أو قصر تدعى «المشور»، لتحل محل القلعة القديمة التي كانت موجودة، جنباً إلى جنب المسجد الكبير. وهذه ستصبح مركز حياة بني عبد الواد، ليس فقط قصر الحاكم نفسه، لكن أيضا بلاطه ومستودع لجميع المخازن العسكرية.

اليوم لم يتبق شيء تقريبا من هذا المجمع الذي لا بد من أنه كان يمثل التاريخ المعماري على مدى فترة طويلة.

فيما البناء الرئيسي دمر، فإن مسجدين صغيرين ما زالا قائمين، أحدهما هو سيدي بلحسن الواقع في وسط المدينة الحديثة، وقد غدا متحفاً.

كان المريدون خلال احتلالهم لفترة قصيرة للمدينة في القرن الرابع عشر، قد تركوا بعضاً من أهم المعالم الأثرية المهمة التي تبقى حتى يومنا هذا، مثل التل الصغير لمسجد «العباد» الواقع إلى الجنوب الغربي من تلمسان، وهناك في أواخر القرن الثاني عشر توفي المتصوف الأندلسي والقاضي سيدي بومدين، ولقبه ابن عربي، في طريقه لزيارة خليفة الموحدين.

 جريدة البيان