على خلاف الرواية التي تقوم على التخييل، أو إعادة إنتاج ما في الواقع من صور عبر اللغة، كما يذهب إلى ذلك توماس كليرك في مؤلفه عن «الكتابات الذاتية»، فإن السيرة الذاتية معنية بسرد الحقيقة، أي ذكر الوقائع كما حدثت بالفعل باستخدام الذاكرة، أي أنها لا تحاكي الواقع، وإنما تسجله كما حدث بالضبط .

لكن إلى أي مدى يمكن النظر إلى السيرة الذاتية بوصفها بريئة من التخييل؟

هذا يطرح معضلة تتصل بمدى صدق كاتب السيرة في سرد ما حدث فعلاً، ومن هنا تجابه الكثير من المذكرات التي يكتبها المشاهير بالنقد، حيث يأخذ عليهم مجايلوهم ممن عاصروا الحدث نفسه، أو كانوا شركاء في صنعه، أن ما ذكروه في تلك المذكرات ليس دقيقاً، أو أنه لم يحط بالصورة كاملة، بل قد يبلغ الأمر حد اتهامهم بالمغالطة وتزييف الحقيقة .

لكن ليس هذا الذي نريد الوقوف أمامه هنا، فتزوير الحقائق والمغالطة، في حال حدثا، يحيلان أكثر إلى كتابة التاريخ أكثر ما يحيلان إلى السيرة الذاتية بوصفها جنساً أدبياً، يجب أن تنشأ بين كاتبها ومتلقيها علاقة ثقة. أي أن تكون، بصفتك قارئاً لتلك السيرة، واثقاً من أن الكاتب توخى قص ما جرى له أو معه فعلاً .

ليس على القارئ التسليم بكل ما قرأه، لكن ملاحظاته ستنبع هنا من اعتبارات أخرى، هي معرفته أن ذاكرة كاتب السيرة مهما كانت يقظة فإنها لن تسلم من آفة النسيان. ليس بوسع المرء أن يتذكر كل التفاصيل، ومهما احتفظت ذاكرته بالكثير منها، فإنها ستنسى الكثير أيضا، وهذا أمر يحدث ضد إرادتنا الواعية في تذكر كل شيء، وهنا لا يمكن اتهام الكاتب بسوء السريرة، فهو لم يتعمد، بالضرورة، إغفال وقائع معينة، حتى لو كانت مهمة، وإنما لأنه ببساطة شديدة نسيها .

ينقل توماس كليرك عن جان جاك روسو الذي يُنظر إليه كأحد أوائل من كتبوا اعترافاتهم، ولنقل سيرتهم، أنه كتب تلك الاعترافات دون العودة إلى آثار يستعين بها في سد فجوات التذكر كالرسائل أو الوثائق الإدارية وما إليها، وبالتالي فإن ما كتبه هو خلاصة الذاكرة المجردة وحدها، دون عناء البحث فيما يعضد ما جادت به من أحداث أو حتى ينفيها أو يجعل منها محل شبهة، بمعنى أنها لم تحدث، أو للدقة لم تحدث، بالضبط، كما توحي له ذاكرته .

ما زلنا هنا في دائرة اللاوعي، حين تنسى الذاكرة بدون توجيه منا بعض ما حدث أو تقصيه لعوامل سيكولوجية ما، لكن ما أن يتحول هذا الإقصاء إلى فعلٍ واعٍٍ، نكون بصدد حديث آخر مختلف .

جريدة الخليج