كثيراً ما رأيت إنجازاته، وكثيراً ما أردت أن أكتب عنها، لكنّ هيبته تجاوزتني، فأقرأ ما كتبه الآخرون وأكتفي بالصمت، لا لأنهم أجادوا أو أخفقوا، بل لأن الكتابة عنه مهمة شبه مستحيلة بالنسبة لي.

فأي قلم بإمكانه أن يكتب عن الفارس الذي شيّد إمارة فاقت في روعتها إمارات القصص الخيالية؟ وأيُّهُ بإمكانه أن يختصر إنجازاته في مقال؟ أو يتوقف عند تركيبة شخصيته التي لم نعهدها في الشخصيات الحاكمة، مَن بإمكانه أن يصف تلك الدمعة التي شقّت طريقها بهدوء على صفحة وجهه، لتشهد على إنسانيته؟

 

ربما كثر كتبوا عن السّاسة من باب التّملُّق والتّسلُّق، أو من أجل منفعة، إلّا ما يكتب بشأن الشيخ محمد فهو خارج هذا النّطاق. بالمختصر النّاس يحبونه!

وقبل أن يصبح محبوب إمارته، كان قد عشق دبي وأحب كل مواطن ووافد فيها، وقدّم لكل شبر في دبي كل أسباب السعادة والأمان.

قيل الكثير بشأنه وبشأن أخلاقه وثقافته ومحبته للفن والشعر والأدب ورؤيته المختلفة لبناء إمارة تقوم على الطاقات البشرية المعطاءة والاستثمار في الإنسان أولاً. ولكن ما قالته دمعته فاق كل الممكنات في التعبير!

وهي الدمعة التي عطّلت كل محرّكات اللغة لديّ فعجزت عن الكتابة في موضوع آخر اليوم، ولعلّ كل من رأى تلك الدمعة أدرك رهافة مشاعر فارس دبي، ورجلها الأول...

تلك الدمعة بالذات ذكرتني بدموع أصدقاء كثر أبكتهم دبي فرحاً مرّات وغيرة مرّات أخرى.

أبكتهم فرحاً وهي تحتفي بهم، وتمنحهم حقهم المهدور في أوطانهم، فأصبحت موطن نجاحاتهم وتألقهم وسماء أجنحتهم الخافقة، إن لم تكن موطن ولادتهم الحقيقية. وأبكتهم غيرة لأن أوطانهم تنام على ثروات تشكل أضعاف ثروة دبي الصغيرة وما رأوا خيراتها تنعكس على أراضيهم.

نعم سال حبر كثير عن دموع الشيخ محمد، لكن هل عرفوا لماذا سالت دمعته؟ ولماذا في المقابل لم تسل دموع حكام عالمنا العربي إلا نادراً. أنا متأكدة أنهم لو رأوا جيداً ما رأيناه ليلة تكريم صناع الأمل لبكوا، لكنهم في الغالب بعيدون عمّا يبكيهم.

لم يروا، ولا يريدون أن يروا. وأعتقد أن مبادرة الشيخ محمد مبادرة أخرى فريدة من نوعها لمنح ذوي التضحيات القليل مما يستحقون. عطاء من دون توقف لا ينتهي عند مبادرة واحدة أو اثنتين أو ثلاث في العام، إنه عمل دؤوب ومستمر للاستثمار في الإنسان. التحدّي الأقوى لشيخ دبي.

في مفهومي الخاص الهبة التي تُقَدّم من أجل أن تقدم لا غير، دون أن يعرف واهبها إن وصلت إلى أصحابها أم لا أو تُعطى لغاية دعائية لم تعد هبة بل ثمناً لدعاية... وهذا ما تفاداه الشيخ محمد في كل عطاءاته لأنه حرص على أن تكون هباته مكافآت لمن يستحقها من أجل أن يستمر، وهذا بالضبط ما يمكن اعتباره أهم خطوة لصناعة الأمل.

كنت على مقربة منه، وهو يتابع قصص أولئك الشجعان الذين منحوا الأمل لغيرهم، واقتطعوا الغالي والنّفيس من حياتهم والقليل مما يملكون ليسعدوا غيرهم، رأيت ذلك بعيني، وبكيت مثلما بكى عدد كبير من الحاضرين، مثلما بكى صنّاع الأمل أنفسهم لأنهم غير مصدقين، أن الرّحلة الشاقة التي قطعوها أوصلتهم إلى محطّة إقلاع نحو أحلام أكبر ما كانوا ليحلموا بها.

الشيخ محمد دون أن يدري كان أولهم على قائمة المكرّمين، أول صانع للأمل في هذه البقاع النائمة على كنوز الدنيا وأهلها فقراء.

صدقاً كان أولهم، لأنه فكّر في كل أولئك المحترقين كالشموع في عتمات بعيدة، ولأنّه مد يديه لمن بكوا كثيراً بسبب عجزهم عن تدبير لقمة العيش لغيرهم.

من الصعب أن نفهم دموع من بكوا، فلكلٍّ سببه، لكنها أسباب اجتمعت لتذكرنا بتقصيرنا، وبعظمة من حاربوا لوحدهم من أجل أهداف سامية.

فعلى مدّ العصور قيست الرجولة بجفاف القلب والعين معاً، إلى أن جاء عصر الصورة، الذي وثّق لدموع الرجال. فإذا بالصورة القديمة تبهت وتفقد معناها، وإذا بالدموع تصبح حكاية مبنية على ألف لغز.

إن ما يلجم الرجال للتعبير عن مشاعرهم هو هذا الوزن الثقافي الثقيل الذي نتقاسمه جميعنا، لهذا حين سالت دمعة الشيخ محمد انكسر «تابو» عظيم في ثقافتنا، عساه ينكسر إلى الأبد، وينتهي موسم القحط العاطفي الطويل الذي حوّل مجتمعاتنا إلى أراضٍ قاحلة فلا حرث ولا زرع ولا قطف ثمار.

«على الرجل أن يصغي لعواطفه، وإلا تحوّل إلى آلة» يقول لوموان، وقبله بمئات السنين كان فارس عربي اسمه المتنبي، ما خجل يوماً من عواطفه الجياشة ودموعه، وهو القائل حين كانت دموع الرّجال مقياساً للصدق:

«إذا اشْتَبَهَتْ دُموعٌ في خُدودٍ تَبَيّنَ مَنْ بَكَى مِمّنْ تَباكَى»

كل كلمة قيلت في ذلك اللقاء التاريخي لصنّاع الأمل كانت أعتى من أي عاصفة، وإن بكى الشيخ محمد وهو من قدّمهم للعالم، وقدّم لهم ما يكفيهم لدعمهم، فما الذي يمنع غيره عن البكاء.

رحم الله المتنبي فارس الشعر العربي لأنه خلّد الدموع والوقار في شعره، ورحم الله سيمون دي بوفوار القائلة «في كل الدموع آمال عالقة».

 

قبل أن يصبح محبوب إمارته، كان قد عشق دبي وأحب كل مواطن ووافد فيها، وقدّم لكل شبر في دبي كل أسباب السعادة والأمان.

 

 

الامارات اليوم