ناصر جبران، يحب الصمت والتفكير، لكنه ينساب عذوبة في صمته وتفكيره، وهذا الصمت هو ما جعله شاعراً بالفطرة، وعذباً في شعره وفي حياته كذلك.

ناصر الصديق والأخ، جمعتنا معاً سنوات حلوة نابضة بالنشاط والعمل والكتابة، كان ذلك في أوائل الثمانينات، عند تأسيس اتحاد الكتّاب وما قبله، هذه الثمانينات كانت سنوات العطاء الأدبي والفني في الإمارات، وكان ناصر واحداً من قاماتها عبر مساهماته في الصحف بقصائده المتميزة، ثم عبر انتقاله لاحقاً إلى كتابة القصة فالرواية. أتذكر أن جيب أبو جبران لم يكن يخلو من قصاصة أو قصاصتين يطلعني عليها ويطلع زملاؤه الأخرون عليها كذلك، إنها ليست قصاصات عادية، إنها أبيات شعرية بدأ يهجس بها الشاعر العذب، وتظل هاجسه وانشغاله حتى تكتمل عنده هذه الأبيات قصيدة تجد طريقها إلى النشر. كان ملتزماً ومحباً للشعر، مع ذلك أقول بكل ثقة أنه مثل جيلنا يخاف الشعر والقصة والكتابة الأدبية عموماً، فهو لا يجروء على دفع عمل أدبي إلى النشر قبل أن يتأكد تماماً ويسأل زملاءه الأدباء حتى يطمئن على مستواها واستحقاقها للنشر.

هو من هذا الجيل الأدبي الذي يقدس الكلمة ويعرف أثرها ويحترمها، فإما أن تكون القصيدة جيدة وإلا فلا، وهذا ما يفسر لديه ولدى غيره من ذلك الجيل الذهبي، قله الإنتاج وتقلبه في التجربة والتجريب من الشعر إلى الكتابة النثرية الشعرية، فالقصة وهكذا، إنه جيل يبحث عن مكان وعن خصوصية وفرادة، وأخالني بثقة أقول أنه رغم الإنتاج القليل فإن هذا الجيل، ومنه ناصر حتماً وجد المكانة والخصوصية والفرادة في تاريخ الأدب في الإمارات.

هذا في الكتابة والشعر، فماذا عن العمل والسلوك؟ ناصر جبران من القلة الذين يلتزمون في العمل بالإنتاج والنشاط والدقة، إنه، كما أشرت قليل الكلام، لكن لا تنقصة الحماسة إلى العمل، وأتذكر أننا عند تأسيس الاتحاد، حيث شغل ناصر أمين السر العام فيه، كنا نقوم بكل شيء، من تأثيث المقر ونقل الكراسي إلى تهيئة الاجتماعات والاتصال بالأعضاء وحثهم على المجيء إلى مقرهم، إلى مباشرة النشاط الثقافي والنشر وغير ذلك من مهمام لم تكن الوسائل والإمكانيات تسمح إلا بأن نقوم بها بأنفسنا والاعتماد على قدرتنا الذاتية، وإلا فلا نشاط ولا عمل.

والحديث عن ناصر الشاعر والإنسان يطول ولا تسمح به هذه المساحة الضيقة، غير أن ناصر سيظل مبدعاً، لا في شعره فحسب، بل في صورته كإنسان عذب يحب الحياة والشعر والثقافة، ويحلم بما هو أجمل، فقط لو تركوا الخيل تمضي.