لا يحتاج صديقي الشاعر القاص ناصر جبران شهادتي فيما يكتب شعراً وسرداً فهذه مهمة النقاد، غير أني أكتب شهادة عن صديق عاصرته وعايشته أكثر من ثلاثة عقود، منذ تأسيس اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات في أوائل ثمانينات القرن الماضي وتلك الأيام لابد أن نتذكرها بدقة وأمانة فقد كانت سنوات حاسمة كشفت عن معادن العديد من الأصدقاء والأدباء والكتاب والفنانين.

حينما تأسس اتحاد كتاب وأدباء الإمارات لم يكن في حسابه البنكي ما يسد راتب الفراش أو يغطي مصاريفه النثرية، فالشقة التي كانت تقع في ملتقى شارعي الوحدة وجمال عبد الناصر من الجهة القادمة من دبي تبرع بها الشرهان، أما الأثاث فتبرع الراحل غانم غباش من بقايا أثاث مجلة الأزمنة العربية، كنا نلتقي أدباء وكتاب ذاك الزمن في هذه الشقة معظم أيام الأسبوع، وكان لابد لمحيي الدين أن يوزع علينا الشاي والقهوة، وكان الظن أن الاتحاد يغطي ثمن الشاي والقهوة والماء والغاز.. إلى آخره من مصاريف، غير أننا اكتشفنا بالصدفة أن ناصر جبران كان يدفع كل المصروفات من جيبه الخاص دون أن يعلن ذلك.

بل كان يدفع أحياناً راتب الفرّاش، ولفترة طويلة إلى أن وقف الاتحاد على قدميه، معظمنا كان يتعاون مع الاتحاد بروح التعاون المجاني والشفافية، ثم عملت مديراً للاتحاد وكان ناصر سكرتيراً عاماً وعبد الحميد أحمد نائباً للرئيس، وعبد الغفار حسين رئيساً لمجلس الإدارة إضافة إلى إبراهيم الهاشمي ومريم جمعة فرج، وسلمى مطر سيف، وناصر الظاهري، وناصر حسين العبودي، وغيرهم من أبناء الإمارات والأخوة العرب أمثال رعد عبد الجليل، ورأفت السويركي، وإبراهيم الوحش، وعمر عدس، والراحل إبراهيم علان.

كنت كل يوم اكتشف في ناصر خصلة جديدة تضاف إلى شخصيته التي ما عرفت إنساناً آخر بطيبة أبو جبران وتواضعه، وحبه لمساعدة الآخر حتى ليخيل للذي لا يعرف ناصر أنه من عالم آخر غير عالمناً، سنوات العمل التأسيسية للاتحاد كان ناصر أحد أعمدتها الأساسية، تعاونه مع جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية ودفعها للأمام مع الزملاء الذين كانوا رواد العمل فيها وفي مقدمتهم الأستاذ عبد الغفار حسين.

سافرت مع ناصر إلى عدد من البلدان بمهام رسمية، وكان خير صديق للسفر، مرح في مجلسه، عميق وشفاف في حواراته، مخلص للصديق، متواضع، متعاون، مبدع في السرد والشعر، إذن فهو يحمل أخلاقاً قد جبل عليها منذ طفولته فشب معها وصارت سماته وخصائصه الشخصية، أنني أخشى إن واصلت حديثي عن أبو جبران أن أوصف بالمتملق وأنا لا أتملقه فهو آخي وصديقي.

كنت سعيداً بمصاحبته، ولعلي لا أبالغ إذ أقول أنني كنت محضوضاً بمرافقته أكثر من ثلاثين عاماً كصديق وكمسؤول في العمل الثقافي الذي كنت أحد أركانه مع زملاء تلك الفترة من الأدباء في الهيئة الإدارية للاتحاد.

ناصر جبران من الشخصيات التي تتمتع بهدوء وراحة بال، فهو هادئ لا ينفك في التفكير بكل ما يدور من حوله من قضايا وإشكالات وأفراح وانتصارات وخيبات، وانعكس ذلك كله في أعماله الإبداعية التي تنوعت ما بين الشعر والسرد، وهو متصالح مع ذاته.

من صفاته أنه يحب أصدقائه ويعتز ويرتبط بهم رباطاً مقدساً لا يسمح لأحد بالنميمة أو المس بهم وبسمعتهم ويتصدى لكل من ينقل النميمة وتشريح الآخر في غيابه، فلم أذكر له أنه أغتاب أحداً أو انتقد سلوك الآخر أو شتم بكلمات نابية، أو أن تحدث بعصبية أو بصوت عال، وهو يحترم الآخر مثلما الآخرين يحترمون أبو جبران الذي قد لا يوجد أحداً لا يوافقني على ماذهبت إليه من توصيف عام لشخصيته المبهرة والهادئة والمتواضعة والمبدعة.