أمناء المكتبات، أمناء الأمة، المستأمنون على أبنائنا وعلى حاضرنا ومستقبلنا، يؤدون أدواراً هامة في حياتنا، دون ضجة أو صخب كبير، ليسوا ممن تحتفي بهم صفحات وشاشات الإعلام والمحافل والمجالس، مع أنهم يسهمون في صناعة الأجيال، وفي تثقيفها وحماية إرثها العظيم.

 

لكن ماذا عن حال المكتبات في أيامنا؟، هناك رواية تتحدث عن المكتبات التي تحولت لمقابر للكتب!، إنها رواية «ظل الريح»، الرواية الإسبانية التي صدرت عام 2001، للمؤلف كارلوس ثافون (الذي يستضيفه مهرجان طيران الإمارات للآداب في شهر مارس)، وتدور أحداثها في مدينة برشلونة في وسط القرن العشرين، حيث يصطحب رجل مسن ولده «دانييل» إلى مكان، لا يعلم سره إلا القليلون، يدعى «مقبرة الكتب»، التي تحوي عدداً هائلاً من الكتب العظيمة...، يسمح لمن يدخل المكتبة أن يأخذ معه كتاباً، ويتعهد بأن يحافظ عليه مدى الحياة.

 

يختار «دانييل» كتاب «ظل الريح»، ليأخذه معه. وعندما يعود إلى البيت ويشرع في قراءته، يتعجب من وجود مثل هذا الكتاب في مكان كتلك المقبرة، وتتولد لديه رغبة جامحة ليقرأ المزيد من كتب مؤلف الكتاب «خوليان كراكس»، فلا يعثر على أي كتاب آخر له، فتبدأ حكاية مشوقة في عالم من الألغاز!

 

تُرجمت الرواية إلى أكثر من 20 لغة، وبيع منها 15 مليون نسخة، وقد تصدرت قوائم الكتب في معظم دول العالم، وأصبحت من أكثر الروايات شهرة في التاريخ، والرواية متوفرة باللغتين العربية والإنجليزية.

 

أخذتني الرواية عندما طالعتها من أول كلمة، واستمتعت بقراءتها متعة جمة، وأعدها من أجمل ما قرأت من أعمال روائية في حياتي، ولا أخفيكم بأنني أنتظر قدوم «كارلوس ثافون» إلى المهرجان على أحر من الجمر.

 

وقد دفعتني هذه الرواية، للتوقف والتأمل في دور المكتبات، ومكانتها في حياتنا، فهل غدت المكتبات حقاً، مقابر للكتب المنسية؟.

 

تخبرنا أسفار التاريخ، بأن أول مكتبة في العالم، وأكثرها شهرة، هي المكتبة الملكية في الإسكندرية في مصر. وقد احتضنت المكتبة في أوج ازدهارها، أكثر من 400.000 من الكتب التي كانت تكتب على ورق البردي.

 

ومن الطريف أنه كان يطلب من أي سفينة تدخل ميناء الإسكندرية، تسليم أي كتب على متنها، ليصار إلى نسخ الكتب المثيرة للاهتمام على مخطوطات البردي، وإعادتها لقبطان السفينة، والاحتفاظ بالنسخ الأصلية، وبهذه الطريقة، تم مضاعفة مقتنيات المكتبة، وقد أصبحت المكتبة قِبلة لأكبر المفكرين والفلاسفة في ذلك الوقت، الذين كانوا يتوافدون عليها من أقاصي الأرض، ويمكثون أشهر عديدة فيها، وتشكلت فيها نواة للفكر والمعرفة قل نظيرها.

 

شكلت المكتبات، منذ وقت طويل، حجر الزاوية للمجتمع المتعلم المثقف، وظلت تؤدي دوراً بالغ الأهمية في ضمان توفر الكتب للباحثين، ولكل الذين لا يستطيعون تحمل تكاليفها. ويؤكد العديد من المبدعين والأدباء، أن المكتبات مصدر إلهامهم وتفوقهم، ونافذتهم المشرعة على عالم الكتب، دون قيد أو شرط.

 

وقد اهتمت الحكومات والجهات الخيرية في القرن الماضي بالمكتبات بشكل كبير، إدراكاً منها لأهميتها البالغة في تطور الأمة، لدرجة أن رجل الأعمال الإسكتلندي الأميركي «أندرو كارنيغي»، على سبيل المثال، تبرع بما يكفي لبناء 2509 مكتبات (بين عامي 1883 و1929)، وقد اشتملت المكتبات التي تم بناؤها على المكتبات العامة، ومكتبات الجامعات.

 

وما فتئت المكتبات تلعب دوراً غاية في الأهمية في أيامنا هذه، وتقدم المعلومة بشتى الوسائل والطرائق، ولا بد لنا من دعمها ورفدها وتعزيز دورها. ولحسن الحظ، أن المكتبات العامة تنتشر في أنحاء دبي، وتفتح ذراعيها لكل الزائرين، بل إننا نجد أيضاً أن المؤسسات والمعاهد والمدارس العامة والخاصة في دولة الإمارات، لديها مكتباتها الضخمة التي تقدم خدماتها الجليلة للطلاب وللعاملين فيها. وقد سعدنا كلنا بالبشارة الكبرى لتأسيس مكتبة محمد بن راشد، التي ستكون واحدة من أكثر المكتبات أهمية في العالم العربي، والتي ستكون متاحة للجميع.

 

ولكن السؤال الأهم، هو: من الذي يجعل المكتبات مكاناً ملهماً خلاقاً محفزاً للفكر؟!

 

لا شك أنه أمين المكتبة!، أمين المكتبة، أمين المعرفة، الذي يأخذ بيد أبنائنا ويضعهم على المسار الصحيح، ففي الوقت الذي يبدو لنا أن شبكة الإنترنت تقدم لنا معلومات عن أي شيء نريده، نجد أن أمين المكتبة وحده، القادر على إنقاذنا من التشتت ومن فوضى المعلومات، فهو يعرف كيفية العثور على ما نحتاجه. بل إننا بحاجة كبيرة لتوجيهه وإرشاد في عصر انفجار المعلومات، أكثر من أي وقت مضى، ونحن أيضاً بحاجة للتعرف إلى كيفية استخدام المعلومات بدقة ونزاهة، وضمن الشروط الأكاديمية الموضوعية.

 

وأمين المكتبة يطلعنا على آخر ما يستجد في عالم الأدب، ويقوم باختيار وتصنيف المطبوعات والمواد والوسائط، بما يناسب مرتادي المكتبة، فهو خير من يحدد احتياجات من يستخدمون المكتبة، ويقترح أمناء المكتبات توصياتهم الهامة بشأن الكتب، ويقدمون الإجابات الشافية للعديد من الأسئلة التي تلح علينا، إنهم يقدمون لنا العلم والثقافة مدى الحياة، على طبق من المعرفة الثرية، فهم من يعتني بفكرنا، بدءاً من نعومة أظفارنا وحتى آخر مراحل حياتنا.

 

وقد قاد إدراك مؤسسة الإمارات للآداب، والمجلس التنفيذي لإمارة دبي، لأهمية دور أمناء المكتبات للمجتمع، وللأطفال على وجه الخصوص، لإطلاق جائزة أمناء المكتبات السنوية. التي تهدف إلى تعزيز دور أمناء المكتبات، الأبطال والبطلات المجهولين، ومكافأتهم على ما يقدمونه لأبنائنا في جميع أنحاء الإمارات.

 

الجائزة الآن في عامها الثاني، وقد كان لافتاً أن نرى كيف يقوم أمناء مكتبات المدارس في جميع أنحاء الإمارات بتشجيع الطلاب على القراءة، من خلال توفير الملاذ لهم، خارج الفصول الدراسية، وكيف يساعد أمناء المكتبات، الطلاب على الاستفادة من مكتبة المدرسة، ويقدمون لهم الاقتراحات والتوصيات بشأن الروايات الجديدة والكتب المفيدة، ويعلمونهم مهارات البحث والمطالعة والكتابة. أمناء المكتبات يعززون مسيرة الطلاب، ويساعدونهم في تحقيق النجاح الأكاديمي، ويغرسون في نفوسهم محبة القراءة.

 

وسوف يتم الإعلان عن الفائز بجائزة أمناء المكتبات لعام 2018، خلال مهرجان طيران الإمارات للآداب، وآمل أن يكون أمناء المكتبات دائماً مصدر إلهام لنا جميعاً، وحافزاً للاعتناء بمكتباتنا، وللإقبال على مطالعة الكتب، واكتشاف عالم جديد مع كل كتاب جديد، سواء كان ذلك العالم «برشلونة» مع كارلوس رويث ثافون، أو «حلب» مع خالد خليفة، أو عالم لم يألفه الإنسان من قبل مع نورة النومان، أو أي عالم من عوالم مهرجان طيران الإمارات للآداب في دورته القادمة في مارس 2018!

 

 

جريدة البيان