لو لم يتدبّر لي أحد الأصدقاء بطاقة دخول لمشاهدة مسرحية المخرج العالمي الرائد بيتر بروك «السجين»، في ليلتها الأخيرة على خشبة «بوف دو نور» في باريس، عشية جولتها الأوروبية، لكان فاتني حدث مسرحي كبير، نادراً ما تشهده المسارح في فرنسا والعالم. المسرحية أولاً، حدثٌ في مسارِ «المعلم» بيتر بروك الذي أصرّ على كتابة النص وإخراجه في الثالثة والتسعين من عمره وإلى جانبه مساعدته الوفية ماري هيلين إستيان، والأمل ألا تكون هذه المسرحية عمله الأخير مع أنها بدت كأنها تحمل ما يشبه «الوصية» فنياً وفلسفياً وصوفياً... إنها أيضاً حدث في المعنى الشخصي والمجازي، فالمخرج الذي غزت نظرياته ومفاهيمه لا سيما مفهوم «الفضاء الفارغ»، المسارح العالمية، شاء أن يعود خمسين عاماً إلى الوراء ليسترجع ذكرى «حادثة» شهدها في أفغانستان ولم يتمكن من نسيانها بعدما تركت فيه أثراً عميقاً شبيهاً بأثر ملحمة «المهابهاراتا» الهندية التي أعاد خلقها مسرحياً قبل عقود، في عرض رهيب وسَم ذاكرة المسرح المعاصر. في إحدى زياراته «العرفانية» الآسيوية التقى بروك في أفغانستان حكيماً متصوفاً يدعى حزقيال كما يسميه في المسرحية، وفي ختام اللقاء الروحي دعاه الحكيم إلى زيارة أحد أتباعه، في أحد السجون في منطقة شبه صحراوية ومقفرة، ليطّلع على الحال الصوفية التي يقاسيها هذا المتصوّف الذي ارتكب جريمة «قتل الأب». خلق بروك في المسرحية شخصاً هو الراوي، ألبسه ملامحه ووصفه بـ «السائح الغربيّ» ليؤدّي دوره المفترض، ويقوم بزيارة ذاك «السجين» الغريب الأطوار والذي قرّر معاقبة نفسه ليس بدخول السجن والعيش بين جدرانه وإنما في الجلوس قبالة السجن في الهواء الطلق وفي القفر ليلاً ونهاراً. لعله أغرب سجين في التاريخ، جعل زنزانته في داخله، في روحه أو دخيلائه، مقرراً التكفير عن إثمه وافتداء أبيه القتيل، عبر التأمّل والزهدِ والصمتِ، أمام بوابة السجن الذي يقبع فيه مجرمون وسارقون وخارجون عن القانون.

هذا السجين الذي انطبعت صورته في ذاكرة بروك يسمّيه في المسرحيّة «مافوزو»، ويدفعه إلى القيام برحلة داخل نفسه بغية التكفير عن الجريمة التي ارتكبها. فهو عندما رأى شقيقته «ناديا» في أحضان أبيه انقضّ عليهِ وقتله، ولكن ليس دفاعاً عن شرفِ شقيقته بل غيرةً من الأب، فهو أيضاً أحبّ شقيقته. هذا ما يسمى «سفاح القربى» وقد عالجه بروك معالجة وجودية، طارحاً حوله أسئلةً جوهريةً: هل هذا الحب المرفوض قانوناً وشرعاً هو فعل آثمٌ أو خطيئةٌ؟ هل يحقّ للمتصوّف أن يرتكبَ مثل هذا الفعل المرفوض؟ لا جواب ولكن ثمة ندم واعتراف بالإثم وسعي إلى تجازوه داخلياً. تزور المتصوّف السجين، شقيقته التي وضعت طفلاً من زرعِ أبيها، هو ابنها وشقيقها في آن واحد، يزوره أيضاً رجل من قرية مجاورة، يزوره عمه والرجل الغريب أو الراوي... لكنّ السجين القابع خارج السجن والذي كسر «التابو» البشرّي، يعيش وحيداً، سالكاً مسلك التطهّر والسلام الروحي واكتشاف حقائقِ الذات، متمرداً على قدره الذي دفعه إلى الجريمة. وليس جلوسُه أمام السجن المادي الذي جعله سجنَ روحٍ وجسدٍ، إلا جلوساً أمام مرآة نفسه. ولعله لن يغادر إلا عندما يتطهّر ويمسي جاهزاً للمغادرة.

لم تتجاوز مسرحية بيتر بروك الساعة والخمس عشرة دقيقة. إنها مسرحية قصيرة في حساب هذا العبقري الذي خلق مسرحاً هو مسرحه، داخل تاريخ المسرح، فأعماله الملحمية والشكسبيرية وسواها كانت تتخطّى تخوم الوقت أو الزمن. لكنّ آثار بروك هي هنا كلها: الجسدُ وإيقاعاته، النظرات، الحوارات التي شاءها مختصرة وكأنها تنتصر للصمت، الصمت الصاخب بالتعابير، ثم السينوغرافيا الفقيرة ولكن الغنية بدلالاتها: أغصانٌ وجذوعٌ وجدارٌ مشققُ وقربةُ ماء... أما الممثلون فكانوا على عادة ما يكونون على خشبة بروك، خليطاً من أعراق وأجناس وثقافات، ممثلون من هويات متعددة، أفريقية، آسيوية، غربية... لكنهم عندما يدخلون عالم هذا العبقري يصبحون «بروكيين» أي يصبحون أنفسهم وكينونتهم، يصبحون شعلة النار التي تضطرم في دواخلهم.

هل شاء بيتر بروك أن يودّع المسرح في مثل هذا العمل الرهيب الذي يعكس بوضوح هواجسه الصوفيّة والفلسفيّة والوجوديّة؟ أم تراه شاء في الثالثة والتسعين أن يمضي في بلورة هويته المسرحية التي تبناها تلامذته وما أكثرهم في العالم؟

«السجين» ليست مسرحيةً عابرةً في ريبرتوار بيتر بروك، إنها الحدث الذي فاجأ به «المعلم» نفسه أولاً ثم جمهوره الباريسيّ، وسيفاجئ به أيضاً جمهوره الأوروبي في المدن التي ستجوبها هذه المسرحية البديعة.

جريدة الحياة