لم يرتفع صوت في الغرب حتى الآن يدين الاعتداءات الوحشية التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي يومياً ضد المدنيين الفلسطينيين في القدس. لم تعترض اي منظمة من المنظمات التي تدعي الدفاع عن حقوق الانسان والحريات والمعتقدات، ولم يتناد مثقفون ملتزمون او يساريون وطليعيون الى توقيع بيان يستنكر هذه الحملات العسكرية الشعواء التي يشنها جيش الاحتلال على اناس يقصدون المسجد الاقصى ليصلوا. حتى الفاتيكان لم يلفظ كلمة ولم يسجل اعتراضاً مع ان القدس هي مدينة الفلسطينيين المسيحيين الذين يواجهون هم أيضاً اضطهاداً معلناً ومضمراً، وتتعرض كنائسهم وأديارهم لاعتداءات سافرة. يكاد الغرب المسيحي، إن كان ما زال ممكناً الكلام عن هذا الغرب الذي تتضاءل المسيحية فيه، ينسى فلسطين والارض التي عاش فيها المسيح ودرب الجلجلة التي مشى عليها حاملاً صليبه. بل يكاد الغرب ينسى ان في القدس كنيسة القيامة التي تجاور المسجد الاقصى، وأن فيها مسيحيين هم عرضة للتهجير الممنهج الذي تُحكم اسرائيل ادارته. لو كانت القضية ذات طابع لاساميّ لهبّ الغرب مستنكراً ومعترضاً ومدافعاً، أما أن يتعرض آلاف المواطنين العزل للاعتداءات والهراوات والرصاص المطاطي امام المسجد الاقصى فهذا مما يمكن الغض عنه وتجاهله .

كان لا بد من ان تستحيل مقاومة المواطنين الفلسطينيين العزل، من شبان وشابات وفتية واطفال، بعد اسابيع على اندلاعها، انتفاضةً وطنية جديدة هي «انتفاضة الاقصى». ولم تعد وقفاً على المصلين الذين يؤمون المسجد ليصلوا بل باتت تشمل شعباً هو شعب القدس وفلسطين، مسلمين ومسيحيين وعلمانيين... يكفي ان نحدق في وجوه المنتفضين وان نتأمل حماستهم الوطنية لندرك انهم فلسطينيون أولاً وآخراً. شابات محجبات وغير محجبات يندفعن في الصفوف الاولى غير آبهات للهراوات والعصي والبنادق، فتيان وصبية يصرون على اقتحام الحواجز معرضين انفسهم للخطر ...

لم تعد القضية قضية صلاة ومصلين، ولا قضية استفزاز اسرائيلي مقيت تقابله مجابهة شعبية شجاعة، اصبحت القضية جهاراً قضية وجود يواجه تهديداً مباشراً، قضية ارض تتعرض للسلب، للمزيد من السلب، قضية هوية وذاكرة تواجهان خطر التشويه والإلغاء. والتعنت الاسرائيلي الذي كان بلغ أوجه في الفترة الاخيرة، استيطاناً واحتلالاً متواصلاً وإذلالاً وعنجهية على مرأى من كل الأمم، ينم الآن عن غايات أخرى، مع منع المسلمين من الوصول الى مسجدهم والصلاة فيه ومع إغلاق ابوابه والطرق المؤدية اليه وضرب حصار من حوله. حتى الصلاة تزعج الاسرائيليين، بل لعلها اكثر ما يزعجهم، هم الذين لم يجدوا حتى الان ذريعة دينية تبرر احتلالهم ارض فلسطين، بل لم يجدوا شاهداً يؤكد أكاذيبهم وأساطيرهم والقصص الواردة في التوراة. لو كان للأصولية الاسرائيلية أن تهدم كل المساجد والكنائس وكل المعالم الدينية الاسلامية والمسيحية لفعلت من غير هوادة. وعلماء الآثار في اسرائيل لا ينثنون عن التنقيب الاثري من اجل ان يجدوا أثراً ولو ضئيلاً لهيكل سليمان ويعجزون دوماً. وليس ادعاؤهم وجود الهيكل تحت المسجد الاقصى سوى افتراء كذّبه علماء آثار من اسرائيل نفسها. بل إن عالماً يهودياً يدعى اسرائيل فلنكشتاين يدرّس في جامعة تل ابيب، يشكك في وجود أي صلة لليهود بالقدس. أما حائط المبكى الذي يسمى إسلامياً أصلاً حائط البراق، والذي يعده الاسرائيليون من بقايا هيكل سليمان وأمامه يبكون ويصلون على طريقتهم، فهو لا يمثل دليلاً علمياً على ما يدعونه .

تحل انتفاضة الاقصى عشية الاستعداد للاحتفال بالقدس عاصمة للشباب الاسلامي للعام 2018، والاحتفال هذا أعلنه منتدى الشباب في منظمة المؤتمر الاسلامي، وسيكون فيه دور رئيس لوزارة الثقافة الفلسطينية، وتحديداً لوزير الثقافة الفلسطيني إيهاب بسيسو. وليت الاحتفال يتم باسم الشباب العربي كي يتسنى للأجيال الشابة في انحاء العالم العربي كافة المشاركة فيه بصفته حدثاً وطنياً لا دينياً فقط. وهذا ما يدرك اهميته أصلاً الوزير بسيسو والشباب كافة، فلسطينيين وعرباً .

جريدة الحياة