يرحل الشعراء جسداً وتبقى قصائدهم تخلد ذكرى حضورهم، يرحلون جسداً إنما أفكارهم وكلماتهم تظل تتردد على ألسنة الناس، وتتردد موسيقاها في أسماعهم. هو حال كل إبداع جيد، مصيره أن يبقى ويخلد مبدعه.. مصيره أن يطوف في الأزمان دون أن يشيخ أو ينطفئ.. هو أقرب شكل من أشكال الخلود يمكن أن نراه ونحسه .

رحل عبدالعزيز إسماعيل تاركاً لنا سيمفونيته الشعرية لتعزف ألحانها بعد غيابه.. هكذا أعلن في ديوانه الأول أن الشعر موسيقى ولحن قبل كل شيء - عندما أعلن اسمه «السيمفونية العاشرة»- وربما تقصّد في أن يكون هذا الديوان الذي أتمه بعد سنين طويلة من المحاولات الشعرية، أشبه «بالسيمفونية التاسعة» لبيتهوفن، والتي خلدته حتى يومنا هذا، فكانت سيمفونية إسماعيل هي العاشرة .

في تجربة إسماعيل الشعرية تتداخل عوامل عديدة، لتكون في مجملها شخصية الإنسان والشاعر، فهو من مواليد الرفاع الشرقي في البحرين عام 1935 وتخرج في المدارس الابتدائية في الرفاع، لينتقل إلى المنامة ويكمل مرحلة الدراسة الثانوية، ثم ينتقل للدراسة في الجامعات العراقية وتحديداً في جامعة بغداد، في تخصص اللغة العربية وآدابها، إلا أن ظروفاً أسرية ألمت بإسماعيل منعته من مواصلة الدراسة في بغداد، فانتقل إلى مصر ليكمل دراسته ويلتحق بجامعة القاهرة .

تخرج إسماعيل في القاهرة عام 1963، ليعود بعدها إلى البحرين ليعمل في التعليم، ويصبح مدرساً للعربية ثم ينتقل إلى دبي ويكمل مهنته كمعلم في مدارسها، حيث استغرقت منه مهنة التعليم عشر سنوات ليبدأ بعدها حياة جديدة في السلك الدبلوماسي ويلتحق بالخارجية الإماراتية ليشغل منصب القنصل الإماراتي في إيران، ويصبح بعدها عضواً دبلوماسياً في سفارة الإمارات في جنيف وعضواً في الوفد الدائم للأمم المتحدة لثلاث سنوات .

كل هذا السفر والترحال منح إسماعيل إحساساً عالياً بالمكان وسكانه، ولأنه خلال كل هذه السنوات كان يحاول قرض الشعر، فقد امتلك حساسية خاصة تجاه الحياة في كل بلد عاش فيها، وخاصة في البلدان العربية، حيث عرف وخبر معيش الإنسان العربي وأحواله، وهو ما رسخ لديه عنفوانا تجاه القضايا العربية، فكان عروبياً فكراً وكياناً، مدافعاً عن كل ذرة تهان فيها كرامات العرب، وتنكس أحوالهم، ولذلك أيضاً خص اللغة العربية الفصحى بحب جم .

نراه يكتب في قصيدته «أصحاب الفيل» عما أصاب الأمة العربية، ساخطاً على عدوان غاشم تنفذه حفنة من القتلة، محترفين في إراقة الدم. في هذه القصيدة نلمح عن قرب كيف يوظف إسماعيل قصيدته، فلا تأتي جزافاً أو كلاماً مكرراً مطروقا، وخاصة فيما يتعلق بالقضايا الكبرى التي كتب فيها الكثير، يقول :

أًسَاْئِلُكُمْ فِيْ عَجَب/ مَنْ أَعْطاكُمْ هذا الحَقْ؟/ أًسَاْئِلُكُمْ فِيْ غَضَب/ مَنْ حَكَّمَكُمْ بِرِقابِ الخَلْقْ؟ / أَسْأَلُكُمْ مَنْ أَوْرَثَكُمْ هذي الأَرضَ كَحَقٍ مُطْلَقْ؟ / ولِماذا رَخُصَتْ أَرْواحُ الناسِ؟/ لِماذا تُقْتَلُعُ الأَشْجارُ؟ / لِماذا البَيْتُ بِمَنْ فيهِ يُحْرَقْ؟!/ وَلماذا الطِفْلُ لَدَيْكُمْ تَقْتُلُهُ التُخْمَةُ؟/ والطُفْلُ لَدَيْنا يَعْرى.. وَيَجوعْ.. وَيُخْنَقْ؟ / مِن غَزَّةَ لِلقُدْسِ، ومِن بَغدادَ إلى البَصْرَةِ أَرْواحٌ تُزْهَقْ .

وفي مقطع آخر من القصيدة يقول :

أَبْرَهَةٌ عاد إلَيْنا.. سيّانَ لَدَيْنا/ يُطْلِقُ صاروخاً أمْ يَرْكَبُ فيلْ/ فَلْيُطْلِقُ عَلينا مِن لَهَبٍ/ فَسَنَقْذِ فُهُ بِحِجارٍ مِن سجّيلْ/ وسَيُولَدُ أطفالٌ رَضَعوا الحِقْدَ/ فَجيلٌ يَأْخُذُهُ عن جِيْلْ/ و سَتُنْبِتُ أرضي أحْجاراً/ تَجْعَلُكُمْ كَعِصْفٍ مَأْكولْ/ فاضْرِبْ يا وَلَدي بِحِجارِكَ.. واقْذِفْ حِمَما/ إنَّك إذْ تَرْمِي لَمْ تَرْمِ/ وَلَكِّنَ اللّهَ رَمى .

تميزت تجربة إسماعيل بقوة متنها الشعري من حيث جزالة الصور وبلاغة الألفاظ والمعاني، وهي وإن انتمت في معظمها إلى القصيدة العمودية كشكل شعري، فقد أثبتت قدرة هذا الشكل على الإتيان بجديد لا سيما إذا تسلح الشاعر بثقافة، هي رأسماله في خطابه الفني الذي يتوجه به إلى الناس، خصوصاً إذا كان يعبر عن همومهم وتطلعاتهم القومية والوطنية

جريدة الخليج